En

مـركـز البـحـوث الاقـتـصـاديـة والـسـياسـيـة Eprcen

مـركـز البـحـوث الاقـتـصـاديـة والـسـياسـيـة

حرب أوكرانيا وإعادة تشكيل موازين القوة:إلى أين تتجه المواجهة بين روسيا وأوروبا؟

الملف الصوتي
00:00 / 00:00

بعد أكثر من أربع سنوات ونصف على بدء الحرب الروسية الأوكرانية في فبراير 2022، لم يعد السؤال متعلقا بمصير الأراضي الأوكرانية وحدها، فقد أصبحت الحرب اختبارا لمستقبل الأمن الأوروبي، وقدرة روسيا على الاستمرار تحت ضغط العقوبات، وقدرة أوروبا على الدفاع عن نفسها، وحدود الدور الأمريكي في قارة تتزاحم أزماتها مع أزمات الشرق الأوسط والتنافس مع الصين.

وفي سبتمبر 2026، لا تبدو تسوية شاملة قريبة، فالقضايا التي تعطلها تتجاوز وقف إطلاق النار إلى وضع الأراضي المتنازع عليها، والضمانات الأمنية لأوكرانيا، ومستقبل العقوبات، وشكل العلاقة بين روسيا والغرب، لذلك، حتى إذا توقف القتال، فقد تستمر المواجهة السياسية والعسكرية والاقتصادية لسنوات.

ساحة الحرب

تخوض أوكرانيا الحرب على أرضها دفاعا عن سيادتها، بينما ترى روسيا أن نتائجها ستحدد موقعها الاستراتيجي في أوروبا، وفي المقابل، تنظر دول أوروبية إلى استخدام القوة لتغيير الحدود باعتباره تهديدًا يتجاوز أوكرانيا إلى أمن القارة كله.

لهذا اتسع الدعم الأوروبي لكييف، بالتوازي مع زيادة الإنفاق الدفاعي وتطوير الصناعات العسكرية، وفي سبتمبر 2026، أعلن الأمين العام لحلف الناتو أن الحلفاء خصصوا، خلال العام السابق، نحو عشرة مليارات دولار لآليات شراء معدات أمريكية وتسليمها إلى أوكرانيا، من بينها آلية “قائمة الاحتياجات ذات الأولوية لأوكرانيا”، وهذه قيمة مخصصة للدعم، ولا تعني أن المعدات كلها وصلت بالفعل.

وقد أبرزت الحرب حاجة الجيوش الأوروبية إلى الدفاع الجوي والذخائر والطائرات المسيرة والحرب الإلكترونية، إلى جانب المنصات التقليدية، ومن المرجح أن يبقى الناتو أساس الدفاع الجماعي الأوروبي، مع سعي الدول الأوروبية إلى تحمل نصيب أكبر من أعبائه وتعزيز قدرتها على إنتاج ما تحتاجه من سلاح.

ضغط العقوبات

تستهدف العقوبات الغربية تقليص قدرة روسيا على تمويل الحرب والحصول على التكنولوجيا والمكونات اللازمة للصناعة العسكرية، وفي يوليو 2026، اعتمد الاتحاد الأوروبي الحزمة الحادية والعشرين من العقوبات، وشملت إجراءات تخص الطاقة والخدمات المالية والتجارة وكيانات وأفرادًا مرتبطين بالمجهود الحربي الروسي.

لكن تأثير العقوبات لا يقاس بعدد الحزم وحده، فهو يتوقف أيضًا على أسعار النفط، وحجم الصادرات الروسية، وتكلفة نقلها، وقدرة موسكو على إيجاد مشترين ومسارات مالية بديلة، ولذلك قد تمنح اضطرابات إمدادات الطاقة العالمية روسيا عائدات أكبر، حتى في وقت تتعرض فيه صادراتها لقيود أشد، وهذه علاقة محتملة تتغير بحسب الأسعار والكميات وتطبيق العقوبات؛ فلا يصح افتراض أن كل ارتفاع في أسعار النفط يتحول تلقائيًا إلى مكسب صافٍ لموسكو.

تأثير الشرق

تتفاعل حرب أوكرانيا مع أزمات الشرق الأوسط عبر مسارين رئيسيين، هما: الطاقة والسلاح، فاضطراب إمدادات النفط والغاز أو الملاحة في الممرات البحرية قد يرفع الأسعار العالمية، ويؤثر بالتالي في اقتصادات الدول المستوردة وعائدات الدول المصدّرة، كما أن الحاجة المتزامنة إلى منظومات الدفاع الجوي والذخائر في أكثر من منطقة تضغط على المخزونات وقدرات الإنتاج وقرارات توزيع الموارد.

ويظهر الترابط السياسي أيضًا في مجلس الأمن، ففي 17 سبتمبر 2026، استخدمت روسيا والصين حق النقض ضد مشروع قرار لتمديد ولاية آلية مراقبة العقوبات الأممية على إيران، والدقة هنا ضرورية: كان التصويت متعلقا بولاية آلية المراقبة، وليس قرارًا بإلغاء العقوبات نفسها، ويعكس الخلاف اتساع التباعد بين القوى الكبرى في الملفات الدولية، وإن كان لكل ملف دوافعه القانونية والسياسية الخاصة.

خريطة الطاقة

أدت الحرب إلى تغير كبير في علاقة أوروبا بالطاقة الروسية، فبحسب المفوضية الأوروبية، انخفضت حصة الغاز الروسي من إجمالي واردات الاتحاد الأوروبي من 45% في عام 2021 إلى 12% في عام 2025، واعتمد الاتحاد الأوروبي في يناير 2026 قواعد للتخلص التدريجي من واردات الغاز الروسي، مع ترتيبات انتقالية للعقود القائمة.

غير أن تنويع مصادر الطاقة لا يلغي تعرض أوروبا لتقلبات الأسواق العالمية، فأسعار الغاز الطبيعي المسال والنفط تتأثر بالمنافسة الدولية على الإمدادات وبأمن طرق الشحن، ولاسيما عند تصاعد الأزمات في الشرق الأوسط. ومن ثم أصبحت سياسة الطاقة الأوروبية مرتبطة في الوقت نفسه بأمن الإمدادات، وتكلفة الصناعة، والاستثمار في الطاقة المتجددة والربط الكهربائي.

المناورة الدولية

تمنح العلاقات التجارية والطاقة مع الصين روسيا منفذًا اقتصاديًا مهمًا، لكن من المبالغة افتراض تطابق موقفي البلدين في كل قضية، فالصين توازن بين شراكتها مع موسكو ومصالحها التجارية الواسعة مع أوروبا والولايات المتحدة، وتتابع كذلك أثر الحرب في أولويات واشنطن العسكرية والسياسية.

وتكشف مواقف دول أخرى، ومنها الهند، صعوبة تحويل العقوبات الغربية إلى عزلة عالمية شاملة لروسيا، فكثير من الدول تحاول حماية مصالحها في الطاقة والغذاء والتجارة، مع تجنب الالتزام الكامل بموقف أي من المعسكرين. وهذا لا يجعلها كتلة موحدة؛ بل يبرز تنوع حسابات الدول التي يُشار إليها عادةً باسم “الجنوب العالمي”.

مخاطر المواجهة

تبقى كلفة الحرب المباشرة بين روسيا وحلف الناتو هائلة، وهو ما يشكل دافعًا قويًا لدى الطرفين لضبط التصعيد، لكن الخطر لا يقتصر على قرار مقصود ببدء حرب واسعة، فقد ينشأ أيضًا من حادث حدودي، أو هجوم سيبراني كبير، أو سوء تقدير يتبعه رد ورد مضاد.

لذلك تتجه أوروبا إلى تقوية الردع وحماية البنية التحتية ورفع جاهزية قواتها، بينما ستظل إدارة الحوادث وقنوات الاتصال عنصرًا حاسمًا في منع انتقال المواجهة غير المباشرة إلى صدام مفتوح.

التداعيات المصرية

أول تأثير هو فاتورة الواردات: فتقلب أسعار الطاقة والحبوب ينعكس على تكلفة الاستيراد والتضخم وأعباء الموازنة. ويقتضي ذلك متابعة الأسواق وتأمين مصادر متنوعة للإمداد، بدل بناء التقديرات على افتراض استقرار الأسعار.

وثانيها حركة التجارة وقناة السويس: فالحرب الأوكرانية تؤثر في التجارة العالمية، بينما يرتبط قرار شركات الشحن بالعبور من البحر الأحمر وقناة السويس ارتباطا مباشرًا بأمن الملاحة في المنطقة، وفي سبتمبر 2026، أشارت هيئة قناة السويس إلى مؤشرات تحسن في حركة سفن الحاويات، منها ارتفاع حمولاتها الصافية العابرة خلال الفترة من يناير إلى أغسطس مقارنة بالفترة نفسها من 2025؛ لكن استمرار التعافي يظل مرتبطًا باستقرار مسارات الملاحة.

وثالثها فرص الطاقة والشراكة مع أوروبا: فبحث الاتحاد الأوروبي عن مصادر أكثر تنوعًا يفتح مجالا لمصر في الربط الكهربائي والطاقة المتجددة وتطوير الشبكات. وقد أعلنت المفوضية الأوروبية في يونيو 2026 تعاونًا مع مصر بشأن استثمار بقيمة 690 مليون يورو في شبكة الطاقة النظيفة؛ غير أن تحويل هذه الفرص إلى عائد اقتصادي مستدام يعتمد على تنفيذ المشروعات وقدرة الشبكات وتنافسية التكلفة.

أما سياسيا، فتفرض الأزمة على مصر الحفاظ على قدرتها على العمل مع شركائها المختلفين، بما في ذلك روسيا والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، وفق مصالحها في الأمن الغذائي والطاقة والاستثمار والاستقرار الإقليمي. وتزداد قيمة هذه القدرة كلما اتسعت الفجوة بين القوى الكبرى.

المسارات المحتملة

يمكن تصور ثلاثة مسارات خلال المرحلة المقبلة:

الأول: استمرار حرب الاستنزاف: تواصل العمليات العسكرية والدعم الخارجي والعقوبات، من دون حسم سريع.

الثاني: وقف إطلاق نار دون تسوية شاملة: ينخفض مستوى القتال، لكن تبقى الخلافات بشأن الأراضي والضمانات الأمنية والعقوبات قابلة لإعادة إشعال الأزمة.

الثالث: اتساع المواجهة غير المباشرة: زيادة الاحتكاكات السيبرانية والعسكرية والاقتصادية بين روسيا والدول الأوروبية، مع بقاء الطرفين حريصين على تجنب الحرب المباشرة.

ولا يمكن الجزم الآن بأي المسارات سيسود؛ إذ يتوقف ذلك على التطورات الميدانية، واستمرار الدعم لأوكرانيا، وقدرة روسيا على تحمل الحرب، والقرارات السياسية في موسكو وكييف والعواصم الغربية.

مما سبق يتضح أن حرب أوكرانيا أصبحت نقطة تحول في بنية الأمن الأوروبي، وفي علاقة الطاقة بالسياسة الدولية، وفي توزيع أعباء الدفاع بين أوروبا والولايات المتحدة، لكنها لا تثبت، بمفردها، أن نظامًا دوليًا جديدًا قد استقر بالفعل؛ فما زالت ملامح المرحلة المقبلة تتشكل تحت ضغط الحرب والأزمات المتزامنة.

وقد تتوقف العمليات العسكرية قبل أن تنتهي أسباب التوتر الروسي الأوروبي. ولذلك فإن السؤال الأهم ليس فقط متى تتوقف الحرب؟، بل كيف ستُبنى ترتيبات أمنية تمنع تجددها، وكيف ستتعامل دول مثل مصر مع آثارها على الطاقة والغذاء والملاحة والعلاقات الدولية؟.

Loading Viewer...

لواء.أ.د.محمد الدسوقي

لواء.أ.د.محمد الدسوقي

خبير في الإدارة الاستراتيجية والأمن القومي، حاصل على دكتوراه الفلسفة في إدارة الأعمال من جامعة حلوان، ودكتوراه العلوم السياسية والأمنية من كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة، وماجستير الإدارة والدراسات الاستراتيجية، وزمالة كلية الدفاع الوطني، كما حصل على دبلوم إدارة الموارد الوطنية من كلية الدفاع الوطني الملكية الأردنية

مقالات أخرى للكاتب لواء.أ.د.محمد الدسوقي

لا توجد مقالات أخرى لهذا الكاتب.

رؤية استراتيجية تصل بريدك

اشترك في نشرتنا للحصول على أحدث التحليلات والتقارير.

مركز البحوث الاقتصادية والسياسية هو مركز بحثي مستقل يُعنى بإنتاج دراسات استراتيجية وتحليلات معمقة في مجالي الاقتصاد والسياسة، مع التركيز على القضايا الوطنية والإقليمية والدولية المؤثرة في مسارات التنمية والاستقرار وصنع القرار. يضم المركز نخبة من الباحثين والخبراء المتخصصين، ويعمل وفق منهجيات علمية رصينة وأدوات تحليل متقدمة لضمان تقديم رؤى استشرافية وتوصيات عملية قابلة للتطبيق، بما يسهم في دعم متخذ القرار وتعزيز كفاءة السياسات العامة في ظل بيئة تتسم بتعقيد وتشابك وتسارع التحولات.

استطلاع الرأي

Newsletter

Now Available in English

Subscribe and choose "English language" which contains the selection of local and international news, polls, articles, and analyzes in various fields.

سجّل مجاناً في النشرة البريدية

اضغط هنا وسجّل بريدك الإلكتروني.. لتصلك (مجاناً) صباح كل يوم النشرة البريدية الإلكترونية لمركز المعلومات وبداخلها أحدث إصدارات المركز ونخبة من الأخبار المحلية والعالمية والاستطلاعات والمقالات والتحليلات.