En

مـركـز البـحـوث الاقـتـصـاديـة والـسـياسـيـة Eprcen

مـركـز البـحـوث الاقـتـصـاديـة والـسـياسـيـة

السوشيال ميديا وتحولات الوعي العام:من القضايا العميقة إلى ديكتاتورية اللحظة

الملف الصوتي
00:00 / 00:00

بقدر ما أحدث الإعلام الإلكتروني أو الرقمي تحولًا نوعيًا على مستويات عدة وفي مجالات متعددة، متجاوزًا كثيرًا من ثغرات الإعلام التقليدي، وموسعًا نطاق المشاركة، ومعمقًا التفاعلية، وميسرًا سرعة نقل المعلومات وتداولها، بقدر ما ترك آثارًا سلبية على مستوى الفكر والوعي، وفي عمق عملية التلقي والفهم والتحليل.

ويكفي أن نتصفح مواقع التواصل الاجتماعي لنشهد بوضوح سيطرة «الترند» على حساب التحليل والمحاكمة المنطقية، وأن ندرك أن المخاطر المصاحبة للإعلام الرقمي باتت تنافس مزاياه، بل ربما تتجاوزها في بعض السياقات، عندما تتحول السرعة إلى غاية في ذاتها، ويصبح الانتشار معيارًا لقيمة المحتوى، بدلًا من دقته وعمقه وأهميته.

وإذا كان الإعلام في جوهره يقوم على تزويد الناس بالمعلومات الصحيحة والحقائق الضرورية عن عالمهم، بما يسهم في تشكيل وعيهم وتكوين رأي سليم تجاه مختلف القضايا، فإن وسائل الإعلام شهدت تطورًا متواصلًا انتقلت خلاله من وسائل الاتصال التقليدية، كالصحف والإذاعة والتلفزيون، إلى وسائل الاتصال الجديدة، بدءًا من مواقع التواصل الاجتماعي، وصولًا إلى البودكاست، مرورًا بمختلف المنصات الرقمية.

إن هذه النقلة تمثل ثورة اتصالية نعيش أبعادها في عصرنا الراهن، ويمكن مقارنتها، من حيث أثرها في أنماط إنتاج المعرفة وتداولها، بالثورة التي أحدثها اختراع الطباعة في القرن الخامس عشر، حين انتقلت المعلومة من نطاق محدود إلى فضاء أوسع وأكثر قدرة على الانتشار والتداول.

ويمكن تعريف الإعلام الرقمي، بصورة مبسطة، بأنه دمج تقنيات الاتصال بوسائل الإعلام بما يحقق سرعة كبيرة في إنتاج المعلومات ونشرها وتبادلها. ففي الوقت الذي كانت فيه المعلومة في الإعلام التقليدي تنتقل غالبًا من المصدر إلى المتلقي في اتجاه واحد، أتاح الإعلام الجديد أو الرقمي نمطًا أكثر تفاعلية بين المرسل والمتلقي. ويتجلى ذلك، على سبيل المثال، في إمكانية أن يترك متابع موقع إخباري إلكتروني تعليقًا يعبر فيه عن رأيه تجاه المحتوى المنشور، بينما كان «رجع الصدى» في الإعلام التقليدي يتطلب وقتًا وجهدًا وتكلفة، كالاتصال للمشاركة في برنامج حواري أو إرسال رسالة إلى صحيفة أو محطة إذاعية.

وقد أسهمت التفاعلية والتشاركية في كسر جانب مهم من احتكار المعلومات من قبل الجهات الرسمية والقائمين على عملية الاتصال، كما أتاحت المجانية أو شبه المجانية لمنصات التواصل الاجتماعي للنخب وغير النخب أن تصبح أطرافًا فاعلة في العملية الاتصالية. وبذلك تحرر المتلقي من موقع المتلقي السلبي، وانتقل إلى موقع المشاركة والفعل، وليس مجرد الاستجابة أو رد الفعل.

كما أتاحت وسائل الإعلام الرقمي قدرًا هائلًا من السرعة في الوصول إلى المعلومات، بما يتوافق مع متطلبات العصر والثورة التكنولوجية المتسارعة. غير أن هذه السرعة، بقدر ما مثلت استجابة لاحتياجات العصر، تركت آثارًا عميقة على مستوى الوعي والفكر، خصوصًا عندما تتحول سرعة الوصول إلى المعلومة إلى سرعة في الحكم عليها، من دون منح المتلقي الوقت الكافي للتحقق والتحليل والمقارنة.

وقد أدى التدفق الهائل للمعلومات إلى نوع من التشتت الفكري والحيرة في تكوين المواقف واتخاذ القرارات، في الوقت الذي أتاحت فيه التكنولوجيا لكل فرد تقريبًا إمكانية نقل الخبر من موقع الحدث باستخدام أدوات بسيطة. ورغم أهمية هذه المشاركة في توسيع نطاق التغطية، فإنها أحدثت تحديًا حقيقيًا في عملية التمييز بين الخبر الصحيح والخبر الزائف، وبين المعلومة الموثوقة والمعلومة التي جرى إنتاجها أو تداولها دون تحقق.

ولا يمكن تجاهل الدور الذي أدته وسائل التواصل الاجتماعي في الأحداث والتحولات السياسية التي شهدتها المنطقة العربية عام 2011، إذ مكنت تقنيات التواصل الإلكتروني المواطنين من سرعة التواصل والتنسيق، وأسهمت في تنظيم حملات رقمية وشعبية استخدم فيها الناشطون المدنيون الوسائل الرقمية للتعبير عن مطالبهم والحشد لها، وهو ما ظهر بصورة واضحة في تونس ومصر.

كما لا يمكن إنكار الحملات الرقمية المستمرة منذ ذلك الحين، والتي يستخدمها ناشطون ومؤسسات وأفراد للتحشيد حول قضايا معينة، والتأثير في اتجاهات الرأي العام، والدفع نحو تبني مواقف أو سياسات محددة. غير أن الوجه الآخر لهذه القدرة يتمثل في أن سرعة تدفق المعلومات وسهولة تداولها قد تقللان من المساحة الزمنية اللازمة للمحاكمة العقلية، وتحويل القضية من موضوع يحتاج إلى قراءة وتحليل إلى موقف سريع يحتاج فقط إلى الإعجاب أو المشاركة أو التعليق.

وفي ظل هذا التحول، أصبحت صناعة المحتوى ممارسة واسعة الانتشار، بصرف النظر أحيانًا عن مستوى المحتوى أو عمقه أو مدى ارتباطه بالقضايا الجوهرية في حياة الإنسان والمجتمع. وأصبحت المقاطع القصيرة قادرة على جذب الانتباه بصورة تفوق أحيانًا قدرة المحتوى الطويل على المنافسة، بما يجعل بعض المتلقين أكثر ميلًا إلى المحتوى السريع والمختصر، وأقل صبرًا على القراءة المتأنية لكتاب، أو متابعة نشرة إخبارية، أو الاستماع إلى برنامج حواري مطول يناقش القضية من جوانبها المختلفة.

ومن هنا تبرز فكرة «ديكتاتورية اللحظة»، وهي حالة تصبح فيها اللحظة الآنية أكثر تأثيرًا من عمق القضية ذاتها، وتفرض ما يستحق الاهتمام وما يستحق التجاهل، وفقًا لمعايير السرعة والانتشار والتفاعل. فالإنسان، بحكم قدرته العقلية، يحتاج إلى التأمل والتدقيق ومقارنة المعلومات وتحليلها قبل الوصول إلى حكم أو تكوين رأي سديد، إلا أن البيئة الرقمية قد تدفع باتجاه عكس ذلك، من خلال تكريس الاستجابة الفورية والانفعال السريع.

وتتجلى خطورة هذه الديكتاتورية في المجتمعات العربية عندما يصبح عدد المشاهدات معيارًا لقيمة المحتوى، فتسيطر الأرقام على عقل منتج المحتوى، ويصبح هدفه الأساسي تحقيق الانتشار، ولو جاء ذلك أحيانًا على حساب قيمة المحتوى وعمق القضية المطروحة. وفي المقابل، قد تسيطر الصورة والألوان والعناوين المثيرة والانفعالات الآنية على وعي المتلقي، على حساب التحليل والتدقيق وغربلة المعلومات والتحقق من مصادرها.

وقد تقود هذه الحالة، إذا استمرت دون وعي أو ضوابط، إلى إضعاف المرونة العقلية والنقدية، وربما إلى ما يمكن تسميته بـ«البلاهة العقلية» عندما يفقد الإنسان قدرته على مساءلة ما يتلقاه، خصوصًا حين يهيمن خطاب الكراهية أو التحريض بين الطوائف والأديان والجماعات. عندها لا يعود المتلقي مجرد قارئ أو مشاهد للمحتوى، وإنما يصبح مستهلكًا له، يردد ما يتلقاه دون محاولة جادة للفحص أو النقد أو التحقق؛ فيتوقف العقل عن لفظ المحتوى الرديء، ويبدأ في استيعابه وتكراره.

ومع ذلك، لا ينبغي التعميم أو النظر إلى وسائل التواصل الاجتماعي باعتبارها مصدرًا للتهديد فقط، فهذه المنصات تظل أدوات يمكن توظيفها إيجابيًا في نشر المعرفة، وتعزيز المشاركة العامة، ودعم القضايا المجتمعية، وتوسيع نطاق الحوار. وهنا تبرز أهمية قادة الرأي والمثقفين والأكاديميين والإعلاميين، الذين تقع عليهم مسؤولية أكبر في إنتاج محتوى رصين، وممارسة خطاب مسؤول، والمساهمة في حماية الوعي العام من الانزلاق وراء المحتوى السطحي والمضلل.

فالمشكلة ليست في التكنولوجيا ذاتها، وإنما في طريقة استخدامها، وفي المعايير التي تحكم إنتاج المحتوى وتلقيه وتداوله. ومواقع التواصل الاجتماعي، في النهاية، سلاح ذو حدين؛ يتوقف وجهه الإيجابي على حجم الاستثمار الواعي والنافع في إمكاناته، بينما يحمل وجهه السلبي مخاطر تتسع كلما تراجع التفكير النقدي أمام سرعة التداول.

ولعل عبارة «التحول من القضايا العميقة إلى ديكتاتورية اللحظة» تختصر جانبًا مهمًا من هذه الإشكالية؛ إذ لا تكمن الخطورة في أن يصبح العالم أسرع فحسب، وإنما في أن يصبح العقل نفسه مطالبًا بأن يفكر بالسرعة ذاتها، وأن يحكم قبل أن يتأمل، وأن يتفاعل قبل أن يتحقق، وأن يستهلك قبل أن يفهم.

د.ندى ملكاني

د.ندى ملكاني

باحثة وأكاديمية متخصصة في العلوم السياسية، ترأس قسم العلوم السياسية بكلية العلوم السياسية بجامعة دمشق لها اهتمامات بحثية في الشأن السوري والعلاقات الإقليمية وقضايا الديمقراطية والمجتمع المدني والمرأة، وشاركت في عدد من الدراسات والأنشطة البحثية والفكرية العربية.

مقالات أخرى للكاتب د.ندى ملكاني

لا توجد مقالات أخرى لهذا الكاتب.

رؤية استراتيجية تصل بريدك

اشترك في نشرتنا للحصول على أحدث التحليلات والتقارير.

مركز البحوث الاقتصادية والسياسية هو مركز بحثي مستقل يُعنى بإنتاج دراسات استراتيجية وتحليلات معمقة في مجالي الاقتصاد والسياسة، مع التركيز على القضايا الوطنية والإقليمية والدولية المؤثرة في مسارات التنمية والاستقرار وصنع القرار. يضم المركز نخبة من الباحثين والخبراء المتخصصين، ويعمل وفق منهجيات علمية رصينة وأدوات تحليل متقدمة لضمان تقديم رؤى استشرافية وتوصيات عملية قابلة للتطبيق، بما يسهم في دعم متخذ القرار وتعزيز كفاءة السياسات العامة في ظل بيئة تتسم بتعقيد وتشابك وتسارع التحولات.

استطلاع الرأي

Newsletter

Now Available in English

Subscribe and choose "English language" which contains the selection of local and international news, polls, articles, and analyzes in various fields.

سجّل مجاناً في النشرة البريدية

اضغط هنا وسجّل بريدك الإلكتروني.. لتصلك (مجاناً) صباح كل يوم النشرة البريدية الإلكترونية لمركز المعلومات وبداخلها أحدث إصدارات المركز ونخبة من الأخبار المحلية والعالمية والاستطلاعات والمقالات والتحليلات.