في الوقت الذي يتسارع فيه التحول العالمي نحو الطاقة النظيفة والسيارات الكهربائية وتخزين الطاقة والتكنولوجيات الحديثة، أصبحت المعادن الحرجة جزءًا أساسيًا من المنافسة الاقتصادية الدولية، وتمتلك أفريقيا موقعًا مهمًا في هذه المعادلة، ليس فقط بسبب ما تحتويه أراضيها من رصيد من هذه الموارد المعدنية، ولكن أيضًا بسبب تنوع هذه الموارد وتوزعها بين عدد كبير من دول القارة. فالكوبالت والنحاس في جمهورية الكونغو الديمقراطية، والنحاس في زامبيا، والليثيوم في زيمبابوي وناميبيا، والجرافيت في تنزانيا وموزمبيق ومدغشقر، ومعادن مجموعة البلاتين في جنوب أفريقيا، كلها تمنح القارة قاعدة يمكن أن تؤدي دورًا أكبر في سلاسل الإمداد العالمية للمعادن الحرجة.
إلا أن امتلاك الموارد الطبيعية تاريخياً في إفريقيا لم يكن في أغلب الأحيان مرادفا للتنمية الاقتصادية، فقد اعتادت اقتصادات أفريقيا تقليدياً على تصدير المواد الخام في صورتها الأولية، بينما تتم عمليات المعالجة والتكرير والتصنيع في دول أخرى، وهو ما يعني أن جزءًا كبيرًا من القيمة المضافة وفرص العمل ونقل التكنولوجيا يخرج من القارة مع الخام. ولذلك فإن السؤال لم يعد فقط: كم تمتلك أفريقيا من المعادن الحرجة؟ وإنما: ماذا تستطيع أن تفعل بهذه المعادن قبل أن تغادر حدودها؟
هذا السؤال يكتسب أهمية أكبر في ظل إعادة الترتيب الحالية لسلاسل الإمداد العالمية، فالدول والشركات الكبرى لم تعد تبحث فقط عن مصادر جديدة للمواد الخام، وإنما أصبحت أكثر اهتمامًا بأمن الإمدادات وتنويع مصادرها وتقليل مخاطر الاعتماد على عدد محدود من الدول. فقد أطلقت الإدارة الأمريكية برنامجاً استثمارياً استراتيجياً جديداً بقيمة 500 مليون دولار يستهدف تعزيز الشراكات في قطاع المعادن الحرجة في إفريقيا.
يمثل هذا البرنامج تحولاً واضحاً في السياسة الأمريكية تجاه القارة من تقديم “المساعدات التنموية” إلى “الاستثمار المباشر”، بهدف بناء موطئ قدم قوي ومنافسة الهيمنة الصينية على سلاسل الإمداد، في حين تواصل الشركات الصينية تطوير شبكاتها التعدينية واللوجستية في مناطق إنتاج هذه المعادن. ويظهر هذا التنافس اللوجستي جلياً في دعم واشنطن والاتحاد الأوروبي لمشروع “ممر لوبيتو” لربط أحزمة النحاس والكوبالت في زامبيا والكونغو بموانئ أنغولا على المحيط الأطلسي، ومؤخراً دخلت كوريا الجنوبية بقوة على خط المنافسة عبر إطلاق “حوار المعادن الحرجة بين كوريا وإفريقيا” كأحد أبرز مخرجات قمتها المشتركة مع دول القارة. وتسعى سيول من خلال هذه المبادرة إلى تقليل اعتمادها الشديد على الصين لتأمين المعادن الحيوية مثل الليثيوم والكوبالت والنيكل التي تُعد عصب صناعاتها المتقدمة في مجالات أشباه الموصلات وبطاريات السيارات الكهربائية. ولدعم هذا التوجه، تعهدت الحكومة الكورية بتقديم حزم تمويلية ضخمة تشمل 10 مليارات دولار كمساعدات إنمائية رسمية، إلى جانب 14 مليار دولار كتمويلات صادرات وتسهيلات ائتمانية لدعم استثمارات شركاتها في القارة.
وهذا يمنح أفريقيا فرصة تفاوضية مهمة، لكن الاستفادة منها لن تتحقق إذا استمرت القارة في التعامل مع المعادن باعتبارها سلعة تصديرية فقط. إفريقيا وبالرغم من أنها تمتلك حوالي ٣٠% من هذه الموارد إلا أنها لا تحصل إلا على ١٠% من العائدات العالمية، وهنا تبرز الفرصة الحقيقية والتحديات الرئيسية أمام إفريقيا والتي تكمن في كيفية استخدام الطلب العالمي المتزايد على المعادن لبناء قدرات صناعية محلية إقليمية وزيادة القيم المضافة المحلية لهذا القطاع. حيث أشارت العديد من الدراسات إلى أن إضافة مرحلة واحدة لتصنيع الخام فقط من شأنها أن تزيد من قيمة تصدير بنسب تصل إلى ٣٠%.
وتظهر بصورة أساسية أهمية هذا التحول عند النظر إلى التوزيع الجغرافي للموارد داخل القارة. فاختلاف الموارد والقدرات بين الدول الأفريقية يمكن أن يمثل نقطة قوة بدلًا من أن يكون عائقًا، كما أنه يمثل فرصة حقيقية لتكامل سلاسل القيمة الافريقية. فالدولة التي تمتلك الخام ليست بالضرورة الدولة الأفضل لإجراء جميع مراحل المعالجة والتصنيع. وقد تمتلك دولة أخرى الطاقة أو الموانئ أو القدرات الصناعية أو المهارات اللازمة. وبالتالي فإن بناء سلاسل قيمة أفريقية لا يتطلب أن تقوم كل دولة ببناء صناعة متكاملة من المنجم إلى المنتج النهائي، وإنما يمكن توزيع مراحل الإنتاج بين عدة دول وفقًا لمزاياها وقدراتها.
وفي هذا الإطار، يمكن أن يكون لمصر حتى وإن لم تكن من أكبر منتجي المعادن الحرجة في القارة، دوراً محورياً في هذه السلسلة، فمصر تمتلك موارد غير مستغلة بشكل كامل من الفوسفات والذهب والرمال السوداء والعناصر الأرضية النادرة، إلى جانب قاعدة صناعية وبنية أساسية وموانئ وموقع جغرافي يربط أفريقيا بالأسواق الأوروبية والآسيوية. كذلك فإن التطورات الأخيرة في إدارة المعادن غير البترولية في مصر يمكن أن تكون ومثالاً على إمكانية استغلال هذا القطاع في تحقيق مخرجات تنموية أكبر، فعلى سبيل المثال، في يونيو 2025، وقعت شركة فوسفات مصر وتحالف صيني يضم CSCEC وECEC عقودًا لتنفيذ مجمع لإنتاج حامض الفوسفوريك في هضبة أبو طرطور باستثمارات تقارب 658 مليون دولار، وبطاقة إنتاجية أولية تبلغ 250 ألف طن سنويًا. والحقيقة فإن أهمية هذا النوع من المشروعات لا ترتبط فقط بحجم الاستثمار بقدر ما ترتبط بطبيعة هذا الاستثمار؛ إذ إنه يربط موردًا معدنيًا بمرحلة تصنيع أعلى في سلسلة القيمة بدلاً من الاكتفاء باستخراج الخام وتصديره، وهذا هو الفارق الذي يجب أن تبحث عنه أفريقيا في الاستثمارات الجديدة: ليس فقط كم رأس المال الذي يدخل إلى قطاع التعدين، وإنما ماذا يترك وراءه من قدرات إنتاجية وتكنولوجيا ومهارات وروابط مع الاقتصاد المحلي.
وبهذا المعنى، يمكن أن يكون الاستثمار الأجنبي جزءًا من الحل، خاصة في ظل فجوة التمويل المحلي التي تعاني منها إفريقيا. لكنه يمكن أيضًا أن يظل مجرد وسيلة لاستخراج الموارد إذا لم تكن هناك سياسات واضحة تربط الاستثمار بالتنمية الصناعية. فالمشروع الذي يبني منشأة للمعالجة أو التكرير، ويطور الموردين المحليين، وينقل المعرفة والتكنولوجيا، ويفتح أسواقًا جديدة للمنتجات المصنعة، يختلف اقتصاديًا عن مشروع يركز على استخراج الخام وشحنه إلى الخارج.
وعلى صعيد متصل، فقد بينت العديد من التجارب الإفريقية أن سياسات مثل منع تصدير الخام أو تشجيع الاستثمار الأجنبي لا يكفي وحده لتحقيق التنمية. لاتزال هناك العديد من التحديات التي تواجه دول القارة في تعظيم الاستفادة من هذه الموارد. مشكلات مثل نقص التمويل المحلي وقصور البنية التحتية الفنية أو التقنية وكذلك مشكلات الاستقرار الاقتصادي والسياسي تظل عائقًا أساسيًا أمام تعزيز عمليات التصنيع في افريقيا خاصة عند الأخذ في الاعتبار طبيعة القطاع نفسه وطول مدة دورته الإنتاجية الأولية عمليات الاستخراج الاقتصادي نفسها قد تستغرق من ١٠ إلى ١٥ سنة منذ بداية الاستطلاع أو التنقيب. يضاف إلى ذلك مأزق الحوكمة البيئية والاجتماعية (ESG)؛ حيث يعتمد جزء غير قليل من استخراج معادن مثل الكوبالت في الكونغو على التعدين الحرفي والصغير النطاق الذي يشغل ملايين العمال في ظروف غير آمنة، مما يضع الشركات الغربية أمام تحدي الموازنة بين حاجتها لتأمين الإمدادات والالتزام بمعايير حقوق الإنسان الصارمة لقطع الطريق أمام الهيمنة الصينية.
كذلك فإن التحديات المتعلقة بالحوكمة والشفافية الفساد تظل حاكمة عند الحديث عن هذا القطاع بوجه خاص. وفي سياق متصل، لم تعد اشتراطات الحوكمة تقتصر على الأبعاد الاجتماعية التقليدية، بل تحولت الالتزامات الكربونية الصارمة التي يفرضها الاتحاد الأوروبي إلى أداة تنظيمية وجيوسياسية ضاغطة، فمع الانتقال إلى مرحلة التنفيذ الفعلي والإلزامي لـ ‘آلية تعديل حدود الكربون’ (CBAM)، أصبح لزاماً على الشركات والمصانع المصدرة إلى أوروبا تحمّل تكلفة مالية مكافئة للانبعاثات الكربونية الكامنة في منتجاتها، ومطابقتها مع نظام تداول الانبعاثات الأوروبي (EU ETS)، هذه الرسوم الجمركية الكربونية المفروضة تضع خطط التصنيع المحلي وإضافة القيمة في إفريقيا أمام تحدٍ تمويلي وتكنولوجي معقد؛ إذ إن معالجة وتكرير المعادن محلياً (مثل الألومنيوم والحديد) تُعد عمليات كثيفة الاستهلاك للطاقة، وفي ظل اعتماد القارة على مصادر طاقة تقليدية مرتفعة الانبعاثات، فإن هذه الالتزامات الكربونية قد ترفع من تكلفة المنتج الإفريقي المصنّع، مما يضعف قدرته التنافسية في الأسواق الأوروبية، ويدفع بالصادرات الإفريقية رغماً عنها نحو أسواق موازية أقل تشدداً بيئياً، وفي مقدمتها الصين
وفي هذا السياق، تكتسب التحركات القارية الأخيرة أهمية خاصة، ففي يوليو 2026، استضافت أبيدجان المنتدى الوزاري لبنك التنمية الأفريقي حول المعادن الحرجة وسلاسل القيمة وإضافة القيمة. ولم يكن التركيز في المنتدى على زيادة استخراج المعادن فحسب، وإنما على كيفية تحويل الموارد المعدنية إلى نشاط اقتصادي وصناعي أوسع داخل القارة. وقد دعا الوزراء المشاركون الدول الأفريقية إلى الحد من تصدير المعادن الخام، وتشجيع عمليات المعالجة المحلية، والعمل نحو نهج أفريقي أكثر توحيدًا بدلًا من استمرار كل دولة في التعامل مع قطاع المعادن بصورة منفصلة، ومن هنا جاء التركيز على سلاسل القيمة الإقليمية والاستفادة من منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية. فالتكامل التجاري يمكن أن يوسع حجم السوق، ويجعل الاستثمارات الصناعية أكثر جدوى، ويسمح بتوزيع مراحل الإنتاج وفقًا للقدرات النسبية للدول.
كما أن المنتدى وضع مسألة بناء القدرات البشرية والتكنولوجية إلى جانب تطوير الموارد وسلاسل القيمة والحوكمة المسؤولة ضمن محاور استراتيجية المعادن، فالمطلوب ليس فقط أن تستخرج أفريقيا المزيد من المعادن أو أن تجذب مزيدًا من الشركات، وإنما أن تضمن أن الموارد والعوائد الناتجة عنها تدخل في عملية تنمية أوسع، وأن تكون قواعد الاستثمار واضحة، وأن تتوافر المؤسسات القادرة على تنفيذها ومراقبتها.
إلا أن طموح التكامل الإقليمي عادة ما تصطدم بمعضلة غياب التنسيق السيادي؛ فبينما تدعو المنصات القارية إلى نهج موحد عبر مظلة منطقة التجارة الحرة القارية، تسارع الدول الإفريقية فرادى نحو توقيع اتفاقيات ثنائية منفردة مع القوى الدولية المتنافسة لتأمين تمويلات عاجلة، هذا التنافس البيني قد يعطل تشكيل سلاسل القيمة المشتركة، حيث تسعى كل دولة للاستئثار بمراحل المعالجة والتكرير داخل حدودها بدلاً من توزيعها وفق المزايا النسبية الجغرافية والاقتصادية، مما يجعل التنسيق السياسي والتشريعي بين الدول الإفريقية التحدي الأكبر لتفعيل هذه الفرصة التاريخية.
وختاماً، فإن مستقبل المعادن الحرجة في أفريقيا لن يتحدد فقط بكمية ما يتم استخراجه، بل بمدى قدرة القارة على الاحتفاظ بجزء أكبر من القيمة الناتجة عن هذه الموارد، وإذا نجحت الدول الأفريقية في الجمع بين الاستثمار الخارجي والقدرات المحلية، وبين التكامل التجاري والتصنيع، وبين الموارد المعدنية والحوكمة الفعالة، فإن المعادن الحرجة يمكن أن تتحول من مصدر للمواد الخام إلى أحد مداخل التصنيع الأفريقي. وقد يكون هذا هو الاختبار الحقيقي للثروة المعدنية الأفريقية في السنوات المقبلة. فالسؤال لم يعد فقط: من يمتلك المعادن؟ وإنما: من يستطيع تحويلها إلى إنتاج وتكنولوجيا ووظائف وقيمة مضافة؟