لم تعد الجامعة في النظام الدولي المعاصر مجرد مؤسسة تمنح درجات علمية، وإنما أصبحت أحد الفاعلين في تشكيل صورة الدول وقدرتها على بناء النفوذ طويل الأجل، وفي هذا السياق، تبرز جامعة القاهرة باعتبارها نموذجا مصريا مهما لتحول التعليم العالي من وظيفة أكاديمية تقليدية إلى أداة من أدوات الحضور الدولي والدبلوماسية الناعمة، وتكشف التطورات الأخيرة في أعداد الطلاب الوافدين، واتساع شبكة الشراكات الدولية، وتزايد التعاون البحثي، وتحسن موقع الجامعة في مؤشرات التدويل والتصنيفات العالمية، عن تحول نوعي في قدرة الجامعة على جذب العالم إلى القاهرة، وليس فقط إرسال خريجيها إلى الخارج.
أرقام التدويل والانتشار الدولي
أظهرت أحدث البيانات المعلنة أن عدد الطلاب الوافدين بجامعة القاهرة ارتفع من 24,474 طالبًا في العام الدراسي 2023/2024 إلى 33,872 طالبا في 2025/2026، أي بزيادة بلغت نحو 38.4% خلال عامين، والأكثر دلالة أن طلاب الدراسات العليا الوافدين ارتفعوا من 3,150 إلى 5,671 طالبًا، بزيادة تقارب 80%، في حين ارتفع عدد طلاب البكالوريوس والليسانس من 21,324 إلى 28,201 طالب، وهذه الأرقام لا تعكس مجرد نمو عددي في التسجيل، وإنما تكشف عن توسع في قدرة الجامعة على الوصول إلى أسواق تعليمية دولية مختلفة، وعن ارتفاع الطلب على برامجها الأكاديمية، خصوصًا في الدراسات العليا والبحث العلمي.
تضم جامعة القاهرة أكثر من 33 ألف طالب وافد من أكثر من 110 دول، وهو ما يمنحها تركيبة دولية واسعة داخل الحرم الجامعي نفسه، وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة؛ لأن التنوع الجغرافي لا يعني فقط تعدد الجنسيات، بل يعني وجود شبكة بشرية عابرة للحدود تتفاعل يوميًا داخل المؤسسة التعليمية المصرية، فالطالب الإفريقي يلتقي بالآسيوي والعربي والأوروبي، ويعيش تجربة تعليمية وثقافية في القاهرة، ثم يعود إلى بلده حاملًا خبرة أكاديمية واجتماعية عن مصر، وبذلك تتحول الجامعة بصورة غير مباشرة إلى مساحة للتواصل بين المجتمعات والدول.
السمعة الأكاديمية والتنافسية الدولية
لا يمكن فهم قدرة جامعة القاهرة على جذب هذا العدد من الطلاب بمعزل عن السمعة الأكاديمية المتراكمة. فالطلاب الدوليون، خصوصًا في الدراسات العليا، لا يتخذون قرار الالتحاق بالجامعة على أساس الموقع الجغرافي فقط، وإنما يبحثون عن الاعتراف بالشهادة، والسمعة البحثية، وتوافر التخصص، وفرص التواصل العلمي، وقوة أعضاء هيئة التدريس، ومن هنا يصبح تحسن مؤشرات الجامعة الدولية عنصرًا داعمًا لجاذبيتها؛ لأن السمعة الأكاديمية تعمل كأصل غير مادي تتراكم قيمته بمرور الوقت.
جاءت جامعة القاهرة في المرتبة 182 عالميًا في تصنيف Times Higher Education للجامعات الأكثر دولية لعام 2026، مقارنة بالمركز 187 في 2025، وكانت الجامعة المصرية الوحيدة المدرجة في التصنيف وفق البيانات المنشورة، وهذا المؤشر مهم تحديدًا لأنه يقيس البعد الدولي للجامعة، وليس فقط الأداء الأكاديمي العام، ولذلك فإن تقدم جامعة القاهرة في هذا المؤشر يمثل دليلًا على تنامي حضورها الدولي، مع ضرورة التمييز علميًا بين الريادة في مؤشر محدد وبين القول إنها الجامعة الأولى عالميًا في جميع المجالات.
وتتزامن طفرة التدويل مع تحسن حضور الجامعة في تصنيفات أخرى، فقد تقدمت جامعة القاهرة في عدد من المؤشرات الدولية خلال السنوات الأخيرة، وهو ما يعزز قدرتها على الظهور أمام الطلاب والباحثين والشركاء المحتملين في الأسواق الدولية. ولا ينبغي النظر إلى التصنيفات باعتبارها غاية في حد ذاتها، وإنما باعتبارها مؤشرات خارجية تؤثر في قرارات الطلاب والباحثين والشركاء، وتساعد في تشكيل السمعة الدولية للمؤسسة.
البحث العلمي بوصفه رافعة للتدويل
يكتسب التدويل قيمة أكبر عندما يرتبط بالبحث العلمي، وتشير البيانات المنشورة إلى أن جامعة القاهرة سجلت أكثر من 7,500 بحث علمي منشور دوليًا خلال 2025 وفق قاعدة Scopus، بينما بلغت نسبة التعاون الدولي في هذه الأبحاث نحو 48.1%، وهنا تظهر علاقة مهمة بين الطلاب الوافدين والبحث العلمي؛ فالطالب الدولي في الدراسات العليا لا يمثل فقط مصدرًا للرسوم الدراسية، وإنما يمكن أن يصبح باحثًا مشاركًا وعضوًا في شبكة علمية وحلقة وصل بين جامعة القاهرة ومؤسسات علمية في بلده.
والهدف الأبعد لا يتمثل فقط في جذب أعداد كبيرة، وإنما في جذب المواهب الأكاديمية والبحثية، فطالب الدراسات العليا المتميز يمكن أن يتحول إلى باحث مشارك، ثم إلى شريك في مشروع علمي، وربما إلى أستاذ في جامعة أجنبية يحتفظ بعلاقته بجامعة القاهرة، وبذلك تصبح سياسة استقطاب الوافدين جزءًا من استراتيجية لاستقطاب المواهب وبناء الشبكات العلمية، وليس مجرد سياسة للقبول والتسجيل.
شبكة الشراكات الدولية وتفعيلها
خلال العامين الماضيين، عقدت إدارة جامعة القاهرة لقاءات مع أكثر من 180 جامعة دولية، وشاركت في أكثر من 600 مؤتمر ومحفل وورشة عمل دولية، وأبرمت نحو 80 اتفاقية في إطار إيراسموس، إلى جانب 34 شراكة دولية. وهذه الأرقام تكشف أن استراتيجية التدويل لم تعتمد على جذب الطلاب فقط، وإنما تحركت في اتجاه أكثر اتساعًا يقوم على بناء شبكة مؤسسية دولية؛ فالجامعة التي تمتلك شبكة دولية واسعة تستطيع أن تنتج باستمرار قنوات جديدة لاستقطاب الطلاب والباحثين والأساتذة والمشروعات.
والأهم من عدد الاتفاقيات هو طبيعة تفعيلها. فقد أعلنت الجامعة وجود 41 اتفاقية دولية مفعلة، منها 35 اتفاقية جرى تفعيلها خلال العامين الأخيرين، إلى جانب التعاون مع نحو 80 جامعة في فرنسا وصربيا وألمانيا ودول الاتحاد الأوروبي، ووجود خمسة برامج دولية للبكالوريوس وتسعة برامج للدراسات العليا، وهنا تنتقل الشراكة من الورق إلى الممارسة؛ فالاتفاقية التي تنتج برنامجًا مشتركًا أو تبادلًا طلابيًا أو مشروعًا بحثيًا تكون ذات قيمة استراتيجية أكبر من اتفاقية تظل في إطار البروتوكول الرسمي.
وتظهر قوة أخرى في أن شبكة جامعة القاهرة لا تتجه إلى منطقة جغرافية واحدة. فخلال مشاركتها في مؤتمر ومعرض الرابطة الأوروبية للتعليم الدولي EAIE 2026 في جلاسكو، أجرت الجامعة لقاءات مع مؤسسات من الولايات المتحدة وبريطانيا وألمانيا وفرنسا وهولندا وكندا وماليزيا وبلجيكا وغيرها، لبحث برامج مشتركة ومزدوجة والتبادل الأكاديمي والمشروعات البحثية، وهذا التنوع يمنح الجامعة شبكة علاقات أكثر اتساعًا ويقلل من الاعتماد على سوق تعليمي واحد، كما يسمح بتبادل الخبرات بين نماذج أكاديمية مختلفة.
وتمثل اتفاقيات إيراسموس إحدى الأدوات المهمة في هذا المسار؛ لأنها تربط الجامعة المصرية بشبكة واسعة من الجامعات الأوروبية، وتفتح مسارات للحراك الأكاديمي والتبادل والتعاون البحثي. وتكمن أهمية ذلك في أن الطالب الذي يأتي إلى جامعة القاهرة أو يشارك في برنامج مرتبط بشبكة دولية لا يتعامل مع المؤسسة بوصفها جامعة محلية فقط، وإنما يراها جزءًا من شبكة أكاديمية أوسع، وهو ما يعزز القيمة الدولية للدرجة العلمية والخبرة التي يحصل عليها الطالب.
جامعة القاهرة في سوق التعليم الدولي
المنافسة على الطلاب الدوليين أصبحت واضحة في المنطقة، ففي السعودية، تعلن جامعة الملك سعود وجود طلاب دوليين من عشرات الجنسيات، بينما تعتمد جامعات خليجية مثل جامعة قطر على المنح والخدمات الدولية وبرامج التبادل لاستقطاب الطلاب من الخارج، وتعكس هذه النماذج تحول التعليم العالي العربي إلى مجال للمنافسة الدولية، وليس مجرد خدمة تعليمية محلية، لكن جامعة القاهرة تمتلك عنصرًا إضافيًا يتمثل في المزيج بين التاريخ الأكاديمي والثقل الحضاري وموقع القاهرة والخبرة المتراكمة في التعليم العربي والإفريقي، وهو ما يمنحها مقومات مهمة في جذب الطلاب الذين يبحثون عن تجربة تعليمية تتجاوز حدود الدراسة الجامعية.
وتكشف قائمة THE لأكثر الجامعات الدولية لعام 2026 أن المنافسة العالمية على الطلاب والباحثين أصبحت تضم جامعات من آسيا وأوروبا والشرق الأوسط، ومن بينها جامعات خليجية وتركية وآسيوية تحتل مراكز متقدمة، بينما جاءت جامعة القاهرة في المركز 182 عالميا في مؤشر الدولية، وهذا يعني أن المنافسة لم تعد محصورة في الجامعات التقليدية في الولايات المتحدة وأوروبا، بل أصبحت الجامعات الآسيوية والعربية والشرق أوسطية تنافس بصورة متزايدة على السوق الدولية للتعليم والبحث.
البعد الاقتصادي واقتصاد المعرفة
يمثل موقع القاهرة أحد عناصر الجاذبية التي يصعب فصلها عن أداء الجامعة، فالطالب الدولي الذي يأتي إلى القاهرة لا يحصل على تجربة جامعية منفصلة عن البيئة المحيطة، وإنما يدرس في مدينة ذات ثقل تاريخي وثقافي وسياسي كبير. وتمنحه القاهرة فرصة للتعرف على الحضارة المصرية والمؤسسات العربية والإفريقية واللغة العربية والأسواق الإقليمية والمشهد السياسي والثقافي في المنطقة، وهو ما يحول الموقع الجغرافي إلى أصل تعليمي وثقافي يضاف إلى القيمة الأكاديمية.
وتتجاوز قيمة الطلاب الدوليين الرسوم الجامعية المباشرة. فالطالب الوافد يحتاج إلى السكن والنقل والغذاء والاتصالات والأنشطة والخدمات، ما يخلق إنفاقًا يمتد خارج أسوار الجامعة، ومن منظور الاقتصاد السياسي، يمكن النظر إلى استقطاب الطلاب الدوليين باعتباره جزءًا من اقتصاد المعرفة؛ حيث تتحول الجامعة إلى نقطة جذب لرأس المال البشري، وتصبح المعرفة نفسها موردًا اقتصاديًا قابلًا للتبادل الدولي، بينما يستفيد الاقتصاد المحلي من النشاط المصاحب للطلاب وأسرهم والزائرين والباحثين والمؤتمرات.
وتزداد أهمية الطالب الدولي بعد التخرج؛ فالخريج الذي عاش عدة سنوات في مصر يحتفظ بعلاقات مع أساتذته وزملائه، وقد يعمل في مؤسسات حكومية أو خاصة أو بحثية في بلده، وبمرور الوقت، تتحول هذه العلاقات إلى شبكات مهنية قد تفيد مصر في التجارة والاستثمار والبحث العلمي والسياحة والتعاون الثقافي. وهنا يظهر أحد أهم أبعاد الدبلوماسية التعليمية؛ فالعائد الحقيقي قد لا يظهر وقت تحصيل الرسوم، وإنما بعد سنوات من تخرج الطالب واستقراره في سوق العمل والمؤسسات الوطنية في بلده.
رأس المال البشري وشبكات الخريجين
تمتلك جامعة القاهرة، بحكم تاريخها الطويل، قاعدة واسعة من الخريجين في مصر والمنطقة والعالم، وهذا يمثل أصلًا مؤسسيًا بالغ الأهمية؛ لأن شبكة الخريجين يمكن أن تتحول إلى قناة اتصال دولية دائمة. وإذا حافظت الجامعة على علاقات منظمة مع خريجيها الدوليين وأشركتهم في المؤتمرات والمنتديات والبرامج البحثية، فإنها تستطيع تحويل شبكة الخريجين إلى دبلوماسية مؤسسية ممتدة، يصبح فيها الخريج حلقة اتصال طبيعية بين الجامعة ومؤسسات بلده.
والطلاب الدوليون أنفسهم يمثلون رأس مال بشريًا متنوعًا داخل الجامعة. فوجود طالب من إفريقيا وآخر من آسيا وثالث من أوروبا ورابع من دولة عربية يخلق بيئة متعددة الثقافات يمكن أن تساعد على تطوير مهارات التواصل الدولي لدى الطلاب المصريين أنفسهم. وبالتالي فإن التدويل لا يخدم الوافدين وحدهم، وإنما يرفع أيضًا من القيمة التعليمية للطلاب المصريين الذين يتعلمون داخل بيئة أكثر اتصالًا بالعالم.
التدويل وصورة مصر الدولية
هناك بعد آخر يتعلق بصورة الدولة، فالانطباع الذي يكوّنه الطالب عن الجامعة يمتد غالبًا إلى انطباعه عن المجتمع والدولة. فإذا وجد الطالب بيئة أكاديمية منظمة، وأساتذة ذوي كفاءة، وخدمات جيدة، وفرصًا للبحث والتواصل، فإنه يحمل معه عند العودة صورة عن مصر بوصفها دولة قادرة على تقديم تعليم جامعي ذي قيمة، ومن هنا تصبح الجامعة جزءًا من صناعة الصورة الدولية لمصر، لأن تجربة الطالب الشخصية قد تكون أكثر تأثيرًا من أي حملة دعائية تقليدية.
وعندما تنجح جامعة مصرية في جذب عشرات الآلاف من الطلاب من أكثر من مئة دولة، فإنها لا تنافس جامعات مصرية أخرى فقط، وإنما تدخل بصورة غير مباشرة في سوق عالمي للتعليم، وهذا يعزز تنافسية مصر كمقصد تعليمي، ويمكن أن يفتح المجال أمام تطوير خدمات جامعية جديدة وبرامج دولية واستثمارات في البنية التعليمية والبحثية، كما يساهم في تعزيز مكانة مصر باعتبارها مركزًا إقليميًا للتعليم العالي.
الإدارة والحوكمة والتحول المؤسسي
الأرقام المتحققة لا يمكن فصلها عن الإدارة المؤسسية للجامعة، فقد أوضح رئيس جامعة القاهرة أن النتائج التي تحققت خلال العامين الأخيرين جاءت من خلال منظومة شارك فيها نواب رئيس الجامعة والعمداء والمستشارون والجهاز الإداري، وتكشف النتائج نفسها عن أهمية الإدارة في تحويل أهداف التدويل إلى برامج وشراكات واتفاقيات واستقطاب للطلاب، فزيادة أعداد الوافدين بالتوازي مع ارتفاع الاتفاقيات الدولية وتوسع التعاون البحثي وتحسن مؤشرات التدويل تشير إلى وجود مسار مؤسسي متكامل وليس مجرد تحرك منفصل في ملف واحد.
وتدويل الجامعة يتطلب تغييرا في طريقة الإدارة؛ فالجامعة التي تستقبل عشرات الآلاف من الطلاب من أكثر من مئة دولة تحتاج إلى منظومة قادرة على التعامل مع اختلاف اللغات والثقافات والأنظمة التعليمية ومتطلبات الطلاب، كما تحتاج إلى سرعة في إجراءات القبول وإصدار الوثائق وتطوير الخدمات الإلكترونية وربط الكليات بإدارة دولية قادرة على التعامل مع المؤسسات الخارجية. وهنا تصبح الحوكمة جزءًا مباشرًا من القدرة التنافسية؛ لأن الطالب الدولي لا يقيم الجامعة بناءً على المحتوى العلمي فقط، وإنما على التجربة المؤسسية الكاملة.
الحضور الدولي والزيارات الرئاسية
لم تعد جامعة القاهرة تستمد حضورها الدولي من تاريخها الأكاديمي وحده، وإنما أصبح هذا الحضور يتجسد بصورة واضحة في اختيارها لاستضافة شخصيات وقيادات دولية رفيعة المستوى، بما يعكس مكانتها كمنصة للحوار بين مصر والعالم. وخلال الفترة الأخيرة استقبلت الجامعة عددًا من القادة والمسؤولين الدوليين، وفي مقدمتهم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، والرئيس الكوري الجنوبي لي جاي ميونغ، ورئيس وزراء صربيا دورو ماتسوت، إلى جانب استقبال 24 سفيرًا من دول مختلفة، في مؤشر على اتساع شبكة الحضور الدولي للجامعة وتنوعها الجغرافي والسياسي، وقد أكد رئيس جامعة القاهرة أن كل زيارة من هذه الزيارات تحمل معنى خاصًا وتؤسس لمسار جديد من الشراكة، وهو ما يجعل الجامعة مساحة تلتقي فيها الدبلوماسية الرسمية بالتعاون الأكاديمي والبحثي.
وتأتي زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى جامعة القاهرة في أبريل 2025 في مقدمة هذه المحطات الدولية؛ إذ استقبلته الجامعة خلال فعاليات ملتقى الجامعات المصرية الفرنسية، وألقى كلمة بقاعة الاحتفالات الكبرى، في مشهد حمل دلالة رمزية وسياسية وأكاديمية في آن واحد. ولم تتوقف أهمية الزيارة عند بعدها البروتوكولي، وإنما ارتبطت بتطوير التعاون الجامعي المصري الفرنسي، حيث شهدت الفعاليات توقيع مذكرات تفاهم واتفاقيات للتعاون في مجالات أكاديمية وبحثية متعددة، بما شمل برامج مشتركة وتبادل الطلاب وأعضاء هيئة التدريس ومشروعات بحثية.
ويكتسب اختيار جامعة القاهرة محطة رئيسية في زيارة الرئيس الفرنسي أهمية خاصة؛ فوسائل الإعلام الفرنسية والأوروبية سلطت الضوء على المكانة الرمزية للجامعة، وربطت اختيارها بتاريخها الأكاديمي وموقعها في العالم العربي، بينما تناولت الزيارة باعتبارها مناسبة لتعزيز التعاون في التعليم والثقافة والبحث العلمي، وبذلك أصبحت قبة جامعة القاهرة مسرحًا لحدث يجمع بين العلاقات المصرية الفرنسية وبين الدبلوماسية الثقافية والتعليمية.
البعد الآسيوي والزيارة الكورية
وجاءت الزيارة التاريخية للرئيس الكوري الجنوبي لي جاي ميونغ إلى جامعة القاهرة لتضيف بعدًا آسيويًا مهمًا إلى هذا الحضور الدولي، فقد اختار الرئيس الكوري جامعة القاهرة لتكون أول جامعة يزورها خلال زيارته لمصر، وألقى كلمة أمام طلابها، معلنًا من تحت قبتها رؤى ومبادرات لتعزيز التعاون بين كوريا الجنوبية والشرق الأوسط، ومؤكدًا أن الطلاب يمثلون قوة مهمة في مستقبل العلاقات المصرية الكورية. كما ربطت الزيارة بين التعليم والابتكار والتكنولوجيا والتبادل الثقافي، بما يعكس تحول الجامعة إلى منصة للحوار الدولي تتجاوز حدود التعاون الأكاديمي التقليدي.
وتزداد أهمية الزيارة الكورية لأنها لم تكن مجرد لقاء مع الطلاب، وإنما ارتبطت بإطلاق مبادرة SHINE من جامعة القاهرة لتعزيز التعاون بين كوريا والشرق الأوسط في مجالات الاستقرار والانسجام والابتكار وبناء الشبكات والتعليم، كما تناول الرئيس الكوري توسيع التبادل الأكاديمي والمنح الدراسية والتعاون بين المؤسسات التعليمية والمتاحف، وهو ما يؤكد أن الجامعة أصبحت قادرة على استضافة وإطلاق مبادرات ذات أبعاد تتجاوز التعليم الجامعي إلى التعاون الدولي والثقافي والمعرفي. وقد حظيت الزيارة بتغطية واسعة من وسائل الإعلام الكورية والدولية.
الاهتمام الرئاسي والمكانة التاريخية
ولا يمكن فصل هذا الحضور الدولي عن اهتمام الرئيس عبدالفتاح السيسي بمكانة جامعة القاهرة ودورها في منظومة التعليم العالي والبحث العلمي المصرية، فالجامعة ليست فقط إحدى أعرق المؤسسات التعليمية في مصر والمنطقة، وإنما أصبحت خلال السنوات الأخيرة جزءًا من توجه أوسع يستهدف تعزيز قدرة الجامعات المصرية على الانفتاح الدولي وبناء الشراكات واستقطاب الطلاب والباحثين. ويكتسب هذا الاهتمام أهمية مضاعفة بالنسبة إلى جامعة القاهرة تحديدًا، نظرًا إلى رصيدها التاريخي وموقعها العلمي والثقافي، وهو ما يجعل تطويرها وتدويلها جزءًا من الاستثمار في إحدى أهم أدوات القوة الناعمة المصرية.
وتستند هذه المكانة إلى تاريخ الجامعة الممتد منذ عام 1908، وإلى دورها في تخريج أجيال من العلماء والمفكرين والسياسيين والدبلوماسيين والمهنيين في مصر والعالم العربي وإفريقيا. ولذلك فإن استقبال قادة دول داخل الجامعة لا يمثل مجرد حدث عابر، وإنما يعيد توظيف هذا الرصيد التاريخي في خدمة الحضور المصري المعاصر. وعندما يلتقي رئيس فرنسي أو رئيس كوري بطلاب جامعة القاهرة تحت قبتها، فإن الحدث يحمل رسالة مزدوجة: تقدير للمؤسسة الأكاديمية من ناحية، وتأكيد لمكانة مصر العلمية والثقافية من ناحية أخرى.
من الزيارات إلى الدبلوماسية الجامعية
ولا تقتصر الصورة على الزيارات الرئاسية؛ فقد تحولت العلاقات الدولية للجامعة إلى نشاط مؤسسي متواصل، فقد التقت إدارة جامعة القاهرة خلال عامين مع 180 جامعة دولية مرموقة، وشاركت في نحو 600 ورشة عمل ومحفل إقليمي ودولي، بالتوازي مع استقبال سفراء وقيادات جامعية وشخصيات دولية، وهذا يعني أن الحضور الدولي لم يعد يعتمد على حدث استثنائي، وإنما أصبح جزءًا من النشاط المؤسسي المستمر للجامعة.
والأهم أن الجامعة تعمل على تحويل الزيارات والاتصالات الدولية إلى شراكات قابلة للتنفيذ، فقد أكدت مشاركتها في مؤتمر EAIE 2026 في جلاسكو أن هدفها لم يعد مجرد تبادل الزيارات، وإنما الانتقال إلى برامج مشتركة ومزدوجة الدرجات، وحراك أكاديمي، وتحالفات بحثية دولية، واستقطاب مزيد من الطلاب الدوليين. وشاركت في المؤتمر مؤسسات من الولايات المتحدة وبريطانيا وألمانيا وفرنسا وهولندا وكندا وماليزيا وبلجيكا وغيرها.
منصة للدبلوماسية الناعمة
وهنا تتبلور الفكرة الأساسية للبحث: جامعة القاهرة أصبحت إحدى منصات الدبلوماسية الجامعية المصرية، فزيارة ماكرون تمثل البعد الأوروبي، وزيارة الرئيس الكوري تضيف البعد الآسيوي، واستقبال السفراء يعكس الامتداد الدبلوماسي، واللقاءات مع الجامعات الدولية تمثل البعد الأكاديمي، بينما يمثل الطلاب الوافدون الامتداد الشعبي والبشري لهذه الدبلوماسية. وعندما تجتمع هذه المستويات داخل مؤسسة واحدة، تتحول الجامعة من مجرد مؤسسة تعليمية إلى منصة مصرية للتواصل الدولي وبناء النفوذ المعرفي والثقافي طويل الأجل.
ويرتبط ذلك مباشرة بمفهوم القوة الناعمة الذي يقوم على قدرة الدولة على جذب الآخرين وإقناعهم والتأثير فيهم من خلال الثقافة والقيم والمعرفة والمؤسسات، بدلًا من الاعتماد على أدوات القوة الصلبة وحدها، وفي الحالة المصرية، تمتلك جامعة القاهرة عناصر مهمة تجعلها قابلة للقيام بهذا الدور؛ فهي مؤسسة ذات تاريخ طويل، واسم معروف عربيًا وإفريقيا، وتقع في عاصمة سياسية وثقافية ذات ثقل تاريخي، وتقدم تخصصات واسعة، وتضم قاعدة بحثية كبيرة، وتستقبل طلابًا من أكثر من مئة دولة، وبالتالي، فإن كل طالب دولي يختار القاهرة يمثل في حد ذاته قناة جديدة للتواصل بين مصر ومجتمعه الأصلي، وهو ما يجعل الجامعة أحد الأصول المؤسسية المهمة في القوة الناعمة المصرية.
ويمكن وصف هذا المسار بأنه دبلوماسية معرفية؛ إذ لا تتحرك الجامعة عبر القنوات السياسية التقليدية، وإنما عبر المعرفة والتعليم والبحث العلمي. وهذه الدبلوماسية تمتلك ميزة الاستمرارية؛ لأن العلاقات التي تتكون داخل الجامعة يمكن أن تستمر من خلال الأفراد حتى بعد تغير الحكومات والسياسات. فالطالب الذي أمضى سنوات في القاهرة يحمل تجربة شخصية عن مصر لا تعتمد على الخطاب الرسمي وحده، وإنما على علاقات مباشرة مع أساتذته وزملائه والمجتمع الذي عاش فيه.
البعد الإفريقي والعربي
تملك جامعة القاهرة فرصة خاصة في المجال الإفريقي. فموقع مصر الجغرافي وعلاقاتها التاريخية بالقارة، إلى جانب وجود أعداد كبيرة من الطلاب الأفارقة في مؤسسات التعليم المصرية، يجعل الجامعات المصرية جزءًا من شبكة العلاقات المصرية الإفريقية. ومن هنا يمكن لاستقطاب الطلاب الأفارقة أن يؤدي وظيفة مزدوجة؛ تقديم تعليم عالي الجودة، وبناء جسور مستقبلية مع كوادر قد تتولى مواقع مؤثرة في دولها، وهو ما يمنح التعليم بعدًا استراتيجيًا في السياسة المصرية تجاه القارة.
والأمر نفسه ينطبق على العالم العربي. فاستمرار حضور الطلاب العرب في جامعة القاهرة يساهم في المحافظة على شبكة ثقافية وأكاديمية ممتدة بين مصر والدول العربية. وتختلف قيمة هذه الشبكة عن العلاقات الرسمية؛ لأنها تقوم على علاقات شخصية وعلمية تبدأ داخل الجامعة وتستمر بعد التخرج، وقد تتحول لاحقًا إلى شراكات بحثية ومهنية ومؤسسية.