En

مـركـز البـحـوث الاقـتـصـاديـة والـسـياسـيـة Eprcen

أخبار المركز
المعادن النادرة وخريطة النفوذ العالمي: هل تملك الصين مفتاح التحول إلى نظام متعدد الأقطاب؟ الذهب يعيد رسم خريطة القوة النقدية.. هل يقترب العالم من نظام ما بعد الدولار؟ الطاقة النووية السلمية وأمن الطاقة العالمي: التحولات الجيوسياسية وآفاق تنويع مزيج الطاقة العالمي الاقتصاد العالمي على حافة الركود التضخمي: هل تعود سبعينيات القرن الماضي بصورة أكثر تعقيدا؟ حرب الكهرباء القادمة.. من يملك طاقة الذكاء الاصطناعي؟ إعادة إعمار سوريا: هل تستطيع الشركات العربية انتزاع موقعها في أكبر ورشة اقتصادية بالمنطقة؟ ورقة حول فرقاطات «موغامي» اليابانية وإعادة تشكيل التحالف الدفاعي مع واشنطن جرينلاند في قلب التنافس الدولي: الأبعاد الجيوسياسية والاقتصادية للصراع على بوابة القطب الشمالي البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن: شراكة تنموية لترسيخ الاستقرار وبناء مستقبل مستدام العلاقات الأردنية التشيكية والقضية الفلسطينية: قراءة في زيارة الملك عبد الله الثاني إلى براغ وتداعياتها الإقليمية

مـركـز البـحـوث الاقـتـصـاديـة والـسـياسـيـة

الطاقة النووية السلمية وأمن الطاقة العالمي:التحولات الجيوسياسية وآفاق تنويع مزيج الطاقة العالمي

الملف الصوتي
00:00 / 00:00

لم تعد العودة المتزايدة إلى الطاقة النووية في عدد من دول العالم مجرد محاولة لإحياء صناعة تراجعت مكانتها بعد حوادث نووية كبرى، وإنما بدأت تتحول تدريجيا إلى جزء من إعادة التفكير في مفهوم أمن الطاقة نفسه، فالأزمات الجيوسياسية خلال السنوات الأخيرة أعادت إلى صدارة الحسابات الاقتصادية حقيقة ظل العالم يعرفها منذ عقود، وهي أن الاعتماد الكبير على النفط والغاز يجعل أمن الطاقة مرتبطا بصورة مباشرة باستقرار المناطق المنتجة والممرات البحرية وخطوط الأنابيب والعلاقات السياسية بين الدول، ومع ارتفاع الطلب العالمي على الكهرباء نتيجة التصنيع والرقمنة ومراكز البيانات والذكاء الاصطناعي والتحول إلى السيارات الكهربائية، أصبحت الدول تبحث عن مصادر تستطيع توفير كميات ضخمة من الكهرباء بصورة مستقرة وقابلة للتنبؤ، وهنا استعادت الطاقة النووية موقعها باعتبارها مصدرا منخفض الكربون وقادرا على إنتاج الكهرباء على مدار الساعة، وإن كان ذلك لا يعني أنها أصبحت بديلا كاملا للنفط أو الغاز أو مصادر الطاقة المتجددة، وإنما جزءا متزايد الأهمية من مزيج أكثر تنوعا وتعقيدا.

مؤشرات الانتعاش

وتكشف الأرقام أن الطاقة النووية دخلت بالفعل مرحلة انتعاش عالمي، فهناك حاليا نحو 440 مفاعلا نوويا تجاريا عاملا في أكثر من 30 دولة، بقدرة إجمالية تقارب 400 غيغاواط، وقد أنتجت المفاعلات النووية عالميا نحو 2667 تيراواط ساعة من الكهرباء في عام 2024، وهو أعلى مستوى تاريخي للإنتاج النووي، كما بلغ متوسط عامل القدرة العالمي للمفاعلات نحو 83%، وهو مؤشر مهم على قدرة المحطات النووية على توفير الكهرباء بصورة مستقرة مقارنة بمصادر تعتمد على ظروف الطقس، وقدمت الطاقة النووية نحو 9% من إجمالي الكهرباء العالمية في 2024، ورغم أن هذه النسبة أقل كثيرا من حصتها التي بلغت نحو 17% في منتصف تسعينيات القرن الماضي، فإن الاتجاه الحالي مختلف، إذ تتوسع عدة دول في بناء مفاعلات جديدة أو تمديد عمر المفاعلات القائمة، فيما دخلت سبعة مفاعلات جديدة الخدمة في عام 2024 وحده، ثلاثة منها في الصين.

الأزمات الجيوسياسية

ولا يمكن فهم هذا التحول بعيدا عن الصدمات التي تعرض لها نظام الطاقة العالمي، فقد أثبتت الحرب الروسية الأوكرانية أن الغاز الطبيعي يمكن أن يتحول من سلعة تجارية إلى أداة ضغط جيوسياسي، كما أظهرت اضطرابات الشرق الأوسط أن النفط والغاز لا يتحركان في فراغ اقتصادي، وإنما عبر ممرات بحرية يمكن أن تتعرض للمخاطر السياسية والعسكرية، وفي المقابل لا تعتمد المحطة النووية على تدفق يومي مستمر لناقلات النفط أو الغاز، إذ تستطيع كميات محدودة نسبيا من الوقود النووي توفير كميات هائلة من الطاقة، كما يمكن تخزين الوقود لفترات طويلة، وهو ما يمنح الدول التي تمتلك قدرات نووية مدنية درجة أعلى من المرونة في إدارة مخاطر الإمدادات، ومع ذلك يجب عدم المبالغة في هذه الميزة، لأن دورة الوقود النووي نفسها تعتمد على سلاسل إمداد دولية تشمل اليورانيوم والتحويل والتخصيب وتصنيع الوقود، وبالتالي فإن النووي يقلل نوعا معينا من المخاطر الجيوسياسية ولا يلغيها بالكامل.

المشهد النووي

وتبرز الصين بصورة خاصة في هذا التحول، ليس فقط لأنها أكبر سوق للكهرباء في العالم، وإنما لأنها أصبحت مركز الثقل الجديد في بناء القدرات النووية، فقد كانت ثلاثة من المفاعلات السبعة التي اتصلت بالشبكة العالمية في 2024 في الصين، فيما تمتلك البلاد برنامجا واسعا لبناء مفاعلات إضافية، الأمر الذي يعكس رؤية تعتبر الطاقة النووية جزءا من أمن الطاقة والصناعة والتنافس التكنولوجي في الوقت نفسه، وفي المقابل تمتلك الولايات المتحدة أكبر أسطول نووي عامل في العالم، بينما توسع دول مثل فرنسا والمملكة المتحدة والإمارات والهند وتركيا وغيرها قدراتها أو تعيد النظر في مستقبلها النووي، وهذا التنوع الجغرافي مهم لأنه يشير إلى أن الاهتمام بالطاقة النووية لم يعد محصورا في الدول التي تمتلك تاريخا طويلا في هذا المجال، وإنما أصبح جزءا من حسابات دول تسعى إلى تحقيق مزيج من أمن الطاقة وخفض الانبعاثات وتعزيز الاستقلال الاستراتيجي.

التغير المناخي

لكن العامل الذي يمنح الطاقة النووية زخما إضافيا هو علاقتها بأزمة المناخ، فالطاقة النووية لا تنتج انبعاثات كربونية كبيرة أثناء عملية توليد الكهرباء، وتظهر تقييمات الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ أن الانبعاثات على مدى دورة الحياة للطاقة النووية تقع ضمن نطاق منخفض جدا، وأقل من 40 غراما من مكافئ ثاني أكسيد الكربون لكل كيلوواط ساعة وفقا لتقييمات IPCC السابقة، وهي مستويات قريبة من بعض مصادر الطاقة المتجددة وأقل بكثير من توليد الكهرباء باستخدام الوقود الأحفوري، ولذلك فإن توسيع الطاقة النووية يمكن أن يساعد في استبدال جزء من الكهرباء المولدة من الفحم والغاز دون التضحية باستقرار الشبكة، خصوصا في الدول التي تحتاج إلى إنتاج كهرباء منخفضة الكربون على مدار الساعة.

السلامة والنفايات

ومع ذلك فإن النظر إلى الطاقة النووية باعتبارها «طاقة نظيفة» دون تحفظ سيكون تبسيطا غير علمي، فهي منخفضة الكربون وليست خالية من الآثار البيئية، فالتعدين عن اليورانيوم واستخدام المياه وتبريد المفاعلات وبناء المنشآت والتعامل مع الوقود المستهلك والنفايات المشعة كلها قضايا تحتاج إلى إدارة طويلة الأجل، كما أن الحوادث النووية الكبرى، وإن كانت نادرة، يمكن أن تفرض تكاليف بشرية وبيئية واقتصادية ضخمة، ولذلك فإن التحدي الحقيقي ليس إثبات أن الطاقة النووية خالية من المخاطر، وإنما مقارنة مخاطرها وتكاليفها بمخاطر البدائل، خصوصا الفحم والغاز، في عالم يحتاج إلى خفض سريع للانبعاثات وفي الوقت نفسه إلى ضمان استمرارية الكهرباء.

تصاعد الطلب

وتصبح هذه المقارنة أكثر أهمية عند النظر إلى طبيعة الطلب المستقبلي على الكهرباء، فالعالم لا يعيش مجرد تحول من مصدر وقود إلى آخر، وإنما يشهد ارتفاعا هيكليا في الطلب على الكهرباء بفعل كهربة النقل والصناعة والتدفئة ومراكز البيانات والذكاء الاصطناعي، وفي هذا السياق تمتلك الطاقة النووية ميزة تختلف عن الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، فهي تستطيع توفير كهرباء مستقرة لفترات طويلة، بينما تتطلب المصادر المتجددة المتغيرة شبكات أكثر مرونة وتخزينا للطاقة وقدرات احتياطية أو مزيجا من المصادر لضمان استقرار الإمدادات، ولذلك فإن المسألة الاقتصادية لم تعد اختيار «النووي أو المتجدد»، وإنما كيفية بناء منظومة تجمع بين النووي والمتجدد والتخزين والشبكات الذكية بما يقلل التكلفة والمخاطر في الوقت نفسه.

التمويل والتكلفة

غير أن العقبة الأكبر أمام التوسع النووي ليست التكنولوجيا وحدها، وإنما الاقتصاد والتمويل والزمن، فالمفاعلات النووية الكبيرة تحتاج عادة إلى استثمارات رأسمالية ضخمة وفترات إنشاء طويلة، وأي تأخير في المشروع يمكن أن يرفع التكلفة بصورة كبيرة، كما أن ارتفاع أسعار الفائدة يجعل تمويل المشروعات ذات دورة البناء الطويلة أكثر صعوبة، ولهذا تزداد أهمية المفاعلات الصغيرة المعيارية، التي تراهن عليها عدة دول وشركات باعتبارها وسيلة لتقليل حجم الاستثمار الأولي وتسريع البناء، لكن هذه التكنولوجيا لا تزال في مرحلة مبكرة نسبيا مقارنة بالمفاعلات التقليدية، ولا يمكن افتراض نجاحها التجاري على نطاق واسع قبل إثبات قدرتها على المنافسة اقتصاديا وتحقيق إنتاج متكرر بتكلفة يمكن التنبؤ بها.

الطاقة النووية

ومن منظور الاقتصاد السياسي، قد يكون التحول النووي أكثر أهمية مما توحي به أرقام إنتاج الكهرباء الحالية، لأن امتلاك قدرة نووية مدنية مستقرة يمنح الدولة أداة إضافية لتقليل تعرض اقتصادها لصدمات أسواق النفط والغاز، كما يمنحها قدرة أكبر على التخطيط الصناعي طويل الأجل، ولذلك يمكن أن تصبح الطاقة النووية جزءا من استراتيجية الأمن القومي الاقتصادي وليس مجرد سياسة بيئية، خصوصا في الاقتصادات الصناعية التي تحتاج إلى كهرباء مستقرة ومنخفضة الكربون، وفي الدول التي تسعى إلى تقليل فاتورة استيراد الوقود، وهذا يفسر لماذا بدأت بعض الدول التي كانت مترددة تجاه النووي في إعادة تقييم موقفها، في حين تحاول دول أخرى الجمع بين الطاقة النووية والطاقة المتجددة بدلا من التعامل معهما باعتبارهما خيارين متنافسين.

النفط والغاز

وفي النهاية، فإن عودة الطاقة النووية لا تعني نهاية عصر النفط، فالنفط سيظل ضروريا لقطاعات عديدة، خصوصا النقل البحري والجوي والبتروكيماويات والصناعات التي يصعب تحويلها كهربائيا، كما أن الغاز سيبقى في عدد من الأسواق مصدرا مهما للكهرباء والمرونة خلال مراحل التحول، لكن ما يتغير هو موقعهما داخل منظومة الطاقة العالمية، فكلما تمكنت الدول من إنتاج نسبة أكبر من كهربائها من مصادر نووية ومتجددة، تراجعت حساسية اقتصاداتها للصدمات المرتبطة بأسعار الوقود الأحفوري والأزمات الجيوسياسية، وهنا تكمن القيمة الاستراتيجية الحقيقية للطاقة النووية، فهي ليست مجرد وسيلة لإنتاج الكهرباء، وإنما أداة لإعادة توزيع المخاطر الاقتصادية والطاقة والسياسة في النظام الدولي، وإذا نجحت الدول في معالجة تحديات التكلفة والسلامة والنفايات والتمويل، فقد نشهد خلال العقود المقبلة انتقال الطاقة النووية من كونها مصدرا مهما للكهرباء إلى أحد الأعمدة الرئيسية لنظام طاقة عالمي أقل تعرضا للصدمات الجيوسياسية وأقل كثافة في الانبعاثات، دون أن يعني ذلك الاستغناء عن النفط والغاز أو المصادر المتجددة، وإنما بناء مزيج أكثر تنوعا وقدرة على الصمود في عالم أصبحت فيه الطاقة جزءا مباشرا من معادلة الأمن الاقتصادي والسياسي.

مركز Eprcen

مركز Eprcen

مؤسسة بحثية مستقلة تُعنى بإعداد دراسات استراتيجية وتحليلات معمقة في مجالي الاقتصاد والسياسة، اعتمادًا على منهجية علمية دقيقة تستهدف فهم التحولات المؤثرة في مسارات التنمية والاستقرار وصنع القرار.

رؤية استراتيجية تصل بريدك

اشترك في نشرتنا للحصول على أحدث التحليلات والتقارير.

مركز البحوث الاقتصادية والسياسية هو مركز بحثي مستقل يُعنى بإنتاج دراسات استراتيجية وتحليلات معمقة في مجالي الاقتصاد والسياسة، مع التركيز على القضايا الوطنية والإقليمية والدولية المؤثرة في مسارات التنمية والاستقرار وصنع القرار. يضم المركز نخبة من الباحثين والخبراء المتخصصين، ويعمل وفق منهجيات علمية رصينة وأدوات تحليل متقدمة لضمان تقديم رؤى استشرافية وتوصيات عملية قابلة للتطبيق، بما يسهم في دعم متخذ القرار وتعزيز كفاءة السياسات العامة في ظل بيئة تتسم بتعقيد وتشابك وتسارع التحولات.

استطلاع الرأي

Newsletter

Now Available in English

Subscribe and choose "English language" which contains the selection of local and international news, polls, articles, and analyzes in various fields.

سجّل مجاناً في النشرة البريدية

اضغط هنا وسجّل بريدك الإلكتروني.. لتصلك (مجاناً) صباح كل يوم النشرة البريدية الإلكترونية لمركز المعلومات وبداخلها أحدث إصدارات المركز ونخبة من الأخبار المحلية والعالمية والاستطلاعات والمقالات والتحليلات.