En

مـركـز البـحـوث الاقـتـصـاديـة والـسـياسـيـة Eprcen

مـركـز البـحـوث الاقـتـصـاديـة والـسـياسـيـة

انسحاب دول الساحل من الإيكواس:انتصار للسيادة أم خسارة للتكامل الإقليمي؟

الملف الصوتي
00:00 / 00:00

لقد مثل الانسحاب الرسمي لكل من مالي وبوركينا فاسو والنيجر من المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا “الإيكواس”، والذي دخل حيز التنفيذ في 29 يناير 2025، تحولاً استراتيجياً يتجاوز الخلاف الدبلوماسي العابر الذي قد يغطي الحقيقة الكاملة، فقد أنهى ذلك الانسحاب، من الناحية القانونية، عضوية ثلاث دول مؤسسة في منظمة تم تأسيسها في محاولة لبناء سوق إقليمية واسعة وتنسيق السياسات الاقتصادية والأمنية بين الدول المؤسسة، لكنه حاول في الوقت نفسه التأسيس لعملية بناء مشروع سياسي مضاد تتبناه “كونفدرالية دول الساحل”. صحيح أن الدول الدول الثلاث عللت قرارها بحماية السيادة ورفض العقوبات والضغوط الخارجية، بينما رأت الإيكواس والاتحاد الإفريقي أن الانسحاب يهدد وحدة غرب إفريقيا ومكتسبات عقود من الاندماج والعمل المشترك.

إن الإشكالية المركزية التي تثيرها الخطوة السابقة تتمثل في تحديد ما إذا كان الانسحاب قد وسع بالفعل استقلال القرار الوطني، أم أنه نقل دول الساحل من قيد سياسي قابل للتفاوض إلى عزلة اقتصادية وأمنية أشد كلفة، ولكن يبدو أنه وفي ظل المعطيات المتوفرة فقد تدفع القراءة الاستراتيجية إلى نتيجة أساسية مفادها أن الانسحاب قد حقق مكسبا سياديا على مستوى حرية القرار والخطاب السياسي، لكنه لم يستطع إلى غاية اليوم إنتاج سيادة مادية مكتملة؛ لأن السيادة الفعلية لا تقاس فقط بالقدرة على رفض قواعد المؤسسة الإقليمية، بل بالقدرة على تأمين الأسواق والممرات والتمويل وحماية السكان من التهديدات العابرة للحدود أيضا، وهو أمر غير متوفر.

السيادة بوصفها استعادة للقرار

من المهم الإشارة إلى أن الانسحاب جاء في سياق أزمة ثقة تراكمت بين الإيكواس من جهة وبين والسلطات العسكرية التي وصلت إلى الحكم في مالي وبوركينا فاسو والنيجر من جهة أخرى. فقد اعتبرت هذه السلطات أن المنظمة انتقلت من إطار للتعاون الاقتصادي إلى أداة لفرض نماذج سياسية معينة ومعاقبة الدول التي لا تستجيب لمطالب العودة السريعة إلى النظام الدستوري، وهو أمر بالغ الأهمية في السياق الإقليمي. وبلغ هذا التوتر ذروته بعد انقلاب النيجر في يوليو 2023، والذي دفع الإيكواس إلى فرض إغلاق شامل للحدود وتعليق للمعاملات التجارية والمالية وتجميدا للأصول، قبل أن ترفع معظم هذه التدابير في فبراير 2024 لأسباب إنسانية. ومن منظور قادة دول الساحل، أظهرت تلك الأزمة أن العضوية في المنظمة قد تتحول، في لحظة الخلاف، إلى مصدر ضغط على الدولة والمجتمع معا، وهو ما لم تستطع المنظمة التكيف معه بشكل إيجابي.

لهذا حمل الانسحاب معنى سياسيا يتجاوز أحكام التجارة، حيث أنه منح الحكومات الثلاث حرية أوسع في تحديد مدة المراحل الانتقالية، واختيار الشركاء العسكريين، وإعادة صياغة العلاقات مع القوى الخارجية في صورة فرنسا المستعمر التقليدي وحتى القوى الدولية، من دون الخضوع المباشر لقرارات الإيكواس المتعلقة بالحكم أو العقوبات. كما أنه سمح لفنس الدول ببناء شرعية داخلية قائمة على خطاب التحرر من الوصاية واستعادة الكرامة الوطنية. وبهذا المعنى، كان القرار انتصارا رمزيا للسيادة؛ حيث تم فيه الانتقال من منطق الامتثال المؤسسي إلى منطق تقرير الأولويات الوطنية، وأعاد للدولة حق تحديد تصورها للأمن والتحالفات. لذلك يمكن فهم الانسحاب باعتباره محاولة لإعادة بناء الإقليمية على أساس التجانس السياسي والأمني بين أنظمة تواجه تهديدات متشابهة، بدلاً من البقاء داخل منظمة أوسع تتباين فيها أنماط الحكم والأولويات الاستراتيجية بشكل مباشر.

لكن من الهام جدا اختبار طبيعة السيادة المحققة هنا، فالظاهر أن ما تحقق في جزء هام منها هي “سيادة سلبية” بمعنى القدرة على رفض القيود والقرارات الخارجية، أما “السيادة الإيجابية” فهي تشير إلى القدرة على امتلاك الموارد والمؤسسات التي تمكّن الدولة من تنفيذ اختياراتها من دون أن تصبح رهينة لشريك بديل أو لصدمات اقتصادية. ويظل هذا الجانب موضع اختبار؛ لأن تغيير التحالفات لا يلغي الاختلال في القدرات العسكرية والمالية، وقد يؤدي الاعتماد على شركاء جدد إلى استبدال تبعية بأخرى. ومن ثم، لا يصبح الانسحاب نصراً استراتيجياً كاملاً إلا إذا تحوّل مشروع دول الساحل إلى قدرة مؤسسية واقتصادية وأمنية ذاتية، لا إلى مجرد جبهة سياسية معارضة للإيكواس.

ما هي كلفة الانفصال الاقتصادي؟

الإجابة عن هذا السؤال تدفعنا إلى النظر لزاوية مهمة وهي أن خطورة الانسحاب تظهر بشكل أوضح عند التدقيق في الوظيفة الأصلية للإيكواس، فالمعاهدة المعدلة تنص على إنشاء سوق مشتركة عبر إزالة الرسوم والحواجز غير الجمركية، واعتماد تعريفة خارجية مشتركة، وضمان حرية انتقال الأشخاص والسلع والخدمات ورؤوس الأموال وحقوق الإقامة والتأسيس. وهذه المكتسبات مهمة بصورة خاصة لمالي وبوركينا فاسو والنيجر، لأنها دول حبيسة تعتمد على موانئ وممرات برية تمر عبر دول ساحلية مثل بنين وتوغو وغانا وكوت ديفوار والسنغال. ولذلك فإن أي احتكاك على الحدود أو ارتفاع في تكاليف العبور لا يبقى مشكلة تجارية محدودة، بل يتحول سريعا إلى ارتفاع في أسعار الغذاء والوقود والمدخلات الإنتاجية. وهنا تبدو النيجر أكثر تعرضا نسبيا بسبب قوة روابطها التجارية مع نيجيريا وهشاشتها الاقتصادية بعد أشهر من العقوبات. وبذلك يصبح الانسحاب مفارقة استراتيجية: فهو يهدف إلى توسيع الاستقلال السياسي، لكنه قد يضيق هامش القرار الاقتصادي عبر زيادة كلفة الواردات والتمويل.

كما أن بقاء الدول الثلاث ضمن الاتحاد الاقتصادي والنقدي لغرب إفريقيا، جعلها تحافظ على روابط نقدية وتجارية مهمة مع عدد من دول الجوار ويخفف من صدمة القطيعة، دون أن ننسى أنه وحتى بعد سريان الانسحاب، واصلت الدول الثلاث الاعتراف بوثائق السفر التي تحمل شعارها، والإبقاء مؤقتا على حرية التنقل والإقامة والتأسيس، ومعاملة سلع وخدمات الدول الثلاث وفق نظام تحرير التجارة، إلى حين تحديد شكل العلاقات المستقبلية. وهذا يعني أن الكلفة النهائية لا يحددها الانسحاب القانوني وحده، بل طبيعة الترتيبات التي ستخلف العضوية: انفصال تفاوضي مرن قد يحافظ على السوق والحركة، أو قطيعة تنافسية تفرض رسوما وحواجز متبادلة، الأمر يحتاج إلى متابعة وتدقيق أكبر.

الأمن وحدود الانفصال

على المستوى الأمني، إذا ما نظرنا من زاوية دول شعرت بأن الإيكواس شددت على الانقلابات أكثر مما نجحت في وقف تمدد الجماعات المسلحة يجعل مبرر الانسحاب مفهوما إلى حد ما. غير أن الإرهاب في الساحل عابر للحدود، وكذلك شبكات تهريب السلاح والبشر والمخدرات؛ ومن ثم لا تستطيع أي دولة في المنطقة احتواءه بمفردها. وهنا لابد من التذكير بتحذير تقارير الأمم المتحدة من أن تشتت الاستجابات الإقليمية واختلاف الأولويات ونقص التمويل أعاقت التعاون ضد الإرهاب والجريمة المنظمة، وأن الانسحاب قد يفاقم التحديات السياسية والأمنية والاجتماعية والاقتصادية القائمة.

صحيح أن كونفدرالية دول الساحل تتيح نوعا من التنسيق بين الدول الثلاث داخل الفضاء الجيوسياسي الأكثر تعرضاً للعنف، وقد تكون أكثر سرعة في اتخاذ القرار من منظمة تضم دولا عديدة ذات حسابات متباينة. لكنها في الجانب الآخر، تستبعد دولا ساحلية ومحورية تتحكم في منافذ التجارة وتمتلك معلومات وقدرات ضرورية لملاحقة الشبكات الممتدة جنوبا. لذلك يمكن القول إن الخطر لا يتمثل في وجود إطار جديد، بل في تحوله إلى إطار مغلق ومنافس يحول دون تبادل المعلومات والتنسيق العملياتي مع الإيكواس.

من تكامل معياري إلى تكامل وظيفي

كشف الانسحاب نفسه حول وجود أزمة أعمق في نموذج الإيكواس نفسه، فالمنظمة أرادت أن تكون جماعة اقتصادية وحارسا للشرعية الدستورية في آن واحد، لكن العقوبات الواسعة جعلت بعض المجتمعات تنظر إليها باعتبارها تعاقب السكان لإكراه الحكومات، ويبدو هذا البعد واضحا بشكل أكبر في مسألة الانقلابات العسكرية مثلا، فالتسليم بالانقلابات بلا تكلفة سيقوض المعايير السياسية التي طورتها المنظمة ويشجع أكثر للتوجه نحو الاستيلاء العسكري على السلطة.  إذن، القضية ليست في الدفاع عن الديمقراطية، بل في اختيار أدوات لا تفصل بما يكفي بين الضغط على النخب وحماية المصالح اليومية للسكان، وأفضل دليل يمكن تقديمه هنا رفع العقوبات عن النيجر لأسباب إنسانية وهو الذي شكل إدراكاً متأخراً لهذه المعضلة التي لم تخطر على الأنظمة السياسية في المنظمة.

كما أن الاستناد إلى خطاب السيادة لا يكفي – في حالة الدول الثلاثة – إذا لم تقترن الشرعية السياسية بتحسن ملموس في الأمن والخدمات والاقتصاد العام. فالمشروع البديل المطروح سيُقاس بمدى قدرته على تسهيل التجارة، وضمان حقوق المواطنين خارج الحدود، وتمويل البنية التحتية، وتحقيق نتائج أمنية ملموسة تنعكس بشكل مباشر على حالة الاستقرار، وإذا ظل التكامل الجديد محصوراً في الدفاع والرموز السيادية، فسوف يتحول من أداة للتحرر إلى مساحة جغرافية حبيسة أصغر من السوق التي غادرتها الدول الثلاث.

لهذا وفي اعتقادنا فإن المخرج الاستراتيجي الأكثر واقعية لا يتمثل في العودة القسرية إلى الوضع السابق ولا بناء جدار بين الكتلتين، بل الانتقال من تكامل قائم على العضوية السياسية الكاملة إلى “تكامل وظيفي متدرج” يأخذ بعين الاعتبار كل المعطيات السابقة ويتفادى الأخطاء أيضا. ويعني ذلك التفاوض على اتفاق ارتباط بين الإيكواس وكونفدرالية دول الساحل يحمي حرية تنقل الأفراد، ويضمن عبور السلع إلى الموانئ، ويضع قواعد جمركية واضحة، ويصون حقوق العمال والتجار، مع إنشاء آلية أمنية مشتركة لتبادل المعلومات ومراقبة الحدود.

الخاتمة

لم يكن انسحاب مالي وبوركينا فاسو والنيجر انتصاراً خالصاً للسيادة ولا خسارة نهائية للتكامل، بل مقايضة بين مكسب سياسي فوري وكلفة استراتيجية محتملة ذات تداعيات كبيرة جدا. فمن جهة حرر الدول الثلاث من سلطة الإيكواس في ملفات الانتقال السياسي والعقوبات والتحالفات، ومنحها مساحة لبناء تصور أمني وإقليمي خاص. لكنه في الجانب الآخر، لم يلغ حقائق الجغرافيا: الدول الثلاث حبيسة، مترابطة سكانيا واقتصاديا مع جيرانها، وتواجه تهديدا مسلحا لا يعترف بالحدود. وكلما اتسعت القطيعة في التجارة والنقل والأمن، تراجعت القدرة المادية لهذه الدول على ممارسة السيادة التي سعت إلى استعادتها.

وعليه، يمكن القول إن الانسحاب ساهم في تعزيز استقلال القرار الوطني في مستواه القانوني والرمزي، لكنه على النقيض حمل خطرا أكبر وهو تعميق العزلة إذا لم تُنشأ ترتيبات تعاون دائمة مع الإيكواس. فالسيادة المستدامة ليست نقيضا للتكامل؛ بل تعتمد على اختيار شكل التكامل وشروطه. وسيكون النجاح الحقيقي لدول الساحل في تحويل قرار الخروج من فعل احتجاجي إلى مشروع بناء مؤسسي، مع الحفاظ على المصالح العابرة للحدود. أما بالنسبة إلى الإيكواس، فالتحدي هو الانتقال من منطق العقاب إلى دبلوماسية المصالح، وإثبات أن التكامل الإقليمي يحمي الشعوب ولا يتحول إلى أداة ضغط عليها.

أ.د. زاوي رابح

أ.د. زاوي رابح

أستاذ في العلوم السياسية، جامعة اكلي محند اولحاج البويرة الجزائر، حاصل على دكتوراه في الدراسات المتوسطية والمغاربية حول التعاون والأمن، أصدر ستة كتب علمية بين 2019 و2026، منها بناء المبادرات الأمنية في المتوسط، نشر أكثر من 40 مقالا محكما وشارك في نحو 35 مؤتمرا وملتقى علمي، تتركز اهتماماته في الدراسات الأمنية والاستراتيجية.

مقالات أخرى للكاتب أ.د. زاوي رابح

لا توجد مقالات أخرى لهذا الكاتب.

رؤية استراتيجية تصل بريدك

اشترك في نشرتنا للحصول على أحدث التحليلات والتقارير.

مركز البحوث الاقتصادية والسياسية هو مركز بحثي مستقل يُعنى بإنتاج دراسات استراتيجية وتحليلات معمقة في مجالي الاقتصاد والسياسة، مع التركيز على القضايا الوطنية والإقليمية والدولية المؤثرة في مسارات التنمية والاستقرار وصنع القرار. يضم المركز نخبة من الباحثين والخبراء المتخصصين، ويعمل وفق منهجيات علمية رصينة وأدوات تحليل متقدمة لضمان تقديم رؤى استشرافية وتوصيات عملية قابلة للتطبيق، بما يسهم في دعم متخذ القرار وتعزيز كفاءة السياسات العامة في ظل بيئة تتسم بتعقيد وتشابك وتسارع التحولات.

استطلاع الرأي

Newsletter

Now Available in English

Subscribe and choose "English language" which contains the selection of local and international news, polls, articles, and analyzes in various fields.

سجّل مجاناً في النشرة البريدية

اضغط هنا وسجّل بريدك الإلكتروني.. لتصلك (مجاناً) صباح كل يوم النشرة البريدية الإلكترونية لمركز المعلومات وبداخلها أحدث إصدارات المركز ونخبة من الأخبار المحلية والعالمية والاستطلاعات والمقالات والتحليلات.