En

مـركـز البـحـوث الاقـتـصـاديـة والـسـياسـيـة Eprcen

أخبار المركز

مـركـز البـحـوث الاقـتـصـاديـة والـسـياسـيـة

من محطات التوليد إلى المصانع.. كيف تصنع الكهرباء مستقبل الاقتصاد العراقي؟

الملف الصوتي
00:00 / 00:00

عندما تعلن الحكومة العراقية ان عام 2027 سيكون عاما لمضاعفة انتاج الطاقة الكهربائية وقدرات النقل والتوزيع، فان القضية تتجاوز كثيرا حدود معالجة الانقطاعات المتكررة التي ارهقت المواطن العراقي لعقود، لان الكهرباء في الحالة العراقية تمثل اختبارا مباشرا لقدرة الدولة على تحويل مواردها المالية والطبيعية الى خدمات وبنية انتاجية وفرص اقتصادية، كما تمثل اختبارا لمدى قدرة الحكومة الحالية على بناء نموذج ادارة مختلف يقوم على معالجة الاختلالات في جذورها، وليس الاكتفاء بادارة نتائجها، و هذا يدفعنا لفرض تساؤل حول اذا ما كان العراق يدخل فعلا مرحلة جديدة من بناء الدولة الاقتصادية بعد سنوات طويلة من الحروب والانقسامات والتعثر المؤسسي.

عام التحول

اعلن رئيس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي ان عام 2027 سيكون عام مضاعفة انتاج الطاقة الكهربائية ومضاعفة قدرات النقل والتوزيع، مع توجيه وزارة الكهرباء الى صيانة 30 الف ميغاواط من القدرات القائمة، وشراء ما لا يقل عن 10 آلاف ميغاواط من الكهرباء من دول الجوار، الى جانب اضافة قدرات جديدة تبلغ 37 الف ميغاواط موزعة وفقا للاعلان الحكومي بين 15 الف ميغاواط من شركة جنرال إلكتريك، و12 الف ميغاواط من الطاقة الشمسية، و10 آلاف ميغاواط من المحطات الحرارية، وهو برنامج واسع في حجمه وطموحه، ويكشف ان الحكومة تنظر الى ازمة الكهرباء باعتبارها ازمة منظومة كاملة تشمل التوليد والوقود والشبكات والاستثمار والادارة والفاقد.

وتظهر صعوبة المهمة عند مقارنة هذه الخطة بحجم الفجوة الحالية، فقد ابلغ وزير الكهرباء مجلس النواب في يوليو 2026 ان انتاج المنظومة هبط الى نحو 22 الف ميغاواط مقابل طلب يصل الى 60 الف ميغاواط، بعد ان كان الانتاج قد بلغ نحو 27 الف ميغاواط، فيما ادت مشكلات الوقود وخروج محطات من الخدمة الى خسارة نحو 3 آلاف ميغاواط اضافية، وهذا يعني ان العراق لا يواجه نقصا محدودا في التوليد يمكن علاجه بمحطة او محطتين، بل فجوة ضخمة بين الطلب والقدرة المتاحة، تتداخل فيها مشكلات التوليد والغاز والنقل والتوزيع.

المشكلة المفقودة

الاكثر اهمية في هذه المعادلة ان زيادة الانتاج وحدها لن تنهي ازمة الكهرباء، فصندوق النقد الدولي قدر خسائر التوزيع في العراق بنحو 55% خلال عام 2024 نتيجة السرقات والتوصيلات غير القانونية، فيما تحدث مجلس النواب في 2026 عن وصول الفقد الى نحو 60%، وهي نسب مرتفعة للغاية تجعل جزءا كبيرا من الطاقة المنتجة لا يصل الى المستهلك النهائي، ولذلك فان مضاعفة الانتاج مع بقاء الشبكة على حالها قد تعني مضاعفة كمية الطاقة المهدورة ايضا.

وهنا تكمن القيمة الحقيقية في اعلان الحكومة عن مضاعفة النقل والتوزيع بالتوازي مع التوليد، لان اصلاح الشبكة يمثل في الحالة العراقية استثمارا اقتصاديا قائما بذاته، فالكهرباء التي تصل الى المصنع في وقتها وبجودة مستقرة تخفض تكلفة الانتاج، والكهرباء التي تصل الى المنزل بصورة منتظمة ترفع جودة الحياة، والكهرباء التي تصبح متاحة لمشروعات التبريد والزراعة والخدمات الرقمية والمراكز اللوجستية تخلق قيمة اقتصادية تتجاوز قيمة الكهرباء نفسها، ولهذا يمكن النظر الى اصلاح القطاع باعتباره مدخلا لرفع انتاجية الاقتصاد العراقي كله.

ثروة لا تزال معطلة

المفارقة العراقية الكبرى ان البلد يمتلك موارد هائلة تسمح له ببناء منظومة طاقة اكثر قوة واستقلالا، لكنه ظل يعاني في الوقت نفسه من نقص الكهرباء واعتماد جزء مهم من منظومته على واردات الغاز والطاقة، وتشير بيانات ادارة معلومات الطاقة الامريكية الى ان الغاز المستورد من ايران كان يوفر اكثر من 30% من توليد الكهرباء في العراق، فيما تؤكد وكالة الطاقة الدولية ان العراق يمتلك موارد كبيرة من الغاز الطبيعي لكنه لم يطور القدرة الكافية على جمع الغاز المصاحب ومعالجته، ما جعله يحرق جزءا من ثروته الغازية ويستورد الطاقة في الوقت نفسه.

وتظهر المفارقة بصورة اكثر وضوحا في بيانات البنك الدولي، فالعراق يمتلك احتياطيات مؤكدة من الغاز بلغت نحو 132 تريليون قدم مكعب في تقديرات سابقة، ومع ذلك ظل من كبار الدول في حرق الغاز المصاحب، وقد قدر البنك الدولي في دراسة سابقة ان الغاز المحروق كان يعادل اقتصاديا نحو 2.5 مليار دولار سنويا وما يزيد على 10 آلاف ميغاواط من القدرة الممكن توليدها، فيما تؤكد بيانات البنك الدولي الحديثة استمرار العراق ضمن اكبر الدول حرقا للغاز في العالم، وهو ما يعني ان جزءا من مشكلة الكهرباء العراقية موجود في باطن الارض ويحتاج الى بنية تحتية واستثمار وتشريعات حتى يتحول الى طاقة منتجة.

النفط والكهرباء

وهنا تظهر المسألة الاوسع فالعراق لا يعاني من نقص في الموارد المالية بالمعنى المجرد، بقدر ما يعاني من ضعف قدرة الاقتصاد والدولة على تحويل الريع النفطي الى رأس مال منتج ومستدام، فالبنك الدولي يقدر ان النفط شكل في 2025 نحو 53% من الناتج المحلي الحقيقي، و88% من ايرادات الحكومة و91% من صادرات السلع، وهي نسب تكشف درجة اعتماد المالية العامة والاقتصاد الخارجي على مورد واحد شديد التأثر بالاسعار العالمية والتطورات الجيوسياسية.

ويحذر صندوق النقد الدولي من ان سعر النفط اللازم لموازنة العراق ارتفع الى نحو 84 دولارا للبرميل في 2024 مقارنة بنحو 54 دولارا في 2020، كما قدر عجز المالية العامة بنحو 7.5% من الناتج في 2025 في توقعاته آنذاك، وهو ما يجعل تمويل مشروعات البنية التحتية الكبيرة مسألة تحتاج الى ترتيب دقيق للاولويات، لان الدولة التي تمول التنمية من ايراد نفطي متقلب تحتاج الى ضمان ان تتحول النفقات الاستثمارية الى اصول اقتصادية تنتج دخلا ونموا مستقبليا.

اختبار الحكومة

من هذه الزاوية تبدو حملة مكافحة الفساد التي بدأت مع حكومة علي الزيدي جزءا مهما من اختبارها الاقتصادي، فقد شهد العراق منذ يونيو 2026 حملة واسعة طالت مسؤولين وسياسيين وملفات عقود ومشروعات، كما انشأت الحكومة آلية عليا للنزاهة والرقابة واسترداد الاموال العامة، وجرى فتح ملفات في قطاعات الطاقة والاستثمار والاعمار والنقل، فيما الغت الحكومة مشروع تطوير مطار بغداد الدولي بقيمة تقارب 764 مليون دولار وسط شبهات تتعلق بالعقد السابق، وهي خطوات تعطي انطباعا عن انتقال ملف الفساد من الخطاب العام الى مراجعة بعض العقود والقرارات ذات القيمة المالية الكبيرة.

لكن نجاح هذه الحملة لن يقاس بعدد الاعتقالات او حجم الاموال المصادرة، وانما بقدرتها على بناء قواعد مؤسسية تمنع تكرار المشكلة، فالعراق يحتاج الى نظام مشتريات حكومي اكثر شفافية، ورقمنة للعقود والمدفوعات، وآليات مستقلة لمراجعة المشروعات الكبرى، وربط الانفاق العام بمؤشرات اداء واضحة، لان استرداد الاموال بعد هدرها يظل اقل كفاءة من بناء مؤسسات تمنع الهدر قبل وقوعه، وهذه النقطة تحديدا هي التي يمكن ان تحول مكافحة الفساد من حملة سياسية او قضائية الى اصلاح اقتصادي مستدام.

الكهرباء كاقتصاد

الاقتصاد العراقي يحتاج الى النظر الى الكهرباء باعتبارها بنية تحتية للنمو وليس خدمة استهلاكية فقط، فالمصنع الذي يتوقف بسبب انقطاع الكهرباء يدفع تكلفة اضافية للمولدات، والمزارع الذي لا يحصل على طاقة مستقرة يواجه تكلفة اعلى للضخ والتبريد، والشركات الصغيرة التي تعتمد على الخدمات الرقمية تحتاج الى شبكة مستقرة، والمستثمر الاجنبي عندما يقيم مشروعه لا ينظر فقط الى حجم السوق او سعر الارض، بل الى قدرة الدولة على توفير الطاقة والمياه والنقل والامن القانوني بصورة مستقرة.

ولهذا فان نجاح خطة 2027 يمكن ان تكون له آثار تتجاوز وزارة الكهرباء نفسها، لان انخفاض كلفة الطاقة وتحسن موثوقيتها يمكن ان يدعم الصناعة والزراعة والخدمات والاتصالات والسياحة والنقل، كما يمكن ان يخفف اعتماد الاسر والشركات على المولدات الخاصة، وهي نفقات تستهلك جزءا من دخل المواطنين وتزيد تكلفة النشاط الاقتصادي، ومن هنا تصبح كل ميغاواط تصل الى المستهلك بصورة مستقرة اكثر قيمة اقتصاديا من مجرد ميغاواط يضاف الى القدرة الاسمية لمحطة توليد.

التشريع قبل المشروع

السؤال الاكثر اهمية في المرحلة المقبلة هو ما اذا كانت الحكومة ستبني البنية التشريعية بالتوازي مع البنية التحتية، لان العراق يستطيع ان ينفق مليارات الدولارات على الطرق والكهرباء والموانئ والمناطق الصناعية، ثم يجد نفسه بعد سنوات امام مشكلات الملكية والتراخيص والتعرفة والمنافسة والتحكيم والتمويل والفساد الاداري، وهي مشكلات يمكن ان تعطل العائد الاقتصادي للاستثمار مهما كان حجمه.

وصندوق النقد الدولي يضع ضمن اولويات العراق اصلاح بيئة الاعمال، وتطوير القطاع الخاص، واعادة هيكلة المصارف الحكومية، وتعزيز الحوكمة، وتحسين تحصيل الكهرباء، واصلاح سوق العمل، وتوسيع الايرادات غير النفطية، كما يرى ان حزمة الاصلاحات الهيكلية يمكن ان ترفع قدرة الاقتصاد غير النفطي على النمو بصورة كبيرة، وهذا يعني ان بناء العراق الحديث يحتاج الى قانون ومؤسسة وسوق الى جانب المشروع الهندسي.

ما بعد التحالف

وتكتسب هذه الاصلاحات بعدا استراتيجيا اضافيا مع انتهاء المهمة العسكرية للتحالف الدولي في العراق في 30 سبتمبر 2026، وهو انتقال اعلنت عنه بغداد وواشنطن ضمن مسار بدأ منذ 2024، فيما اكدت الحكومة العراقية ان المرحلة الجديدة تقوم على شراكة استراتيجية وعلاقات امنية ثنائية، وليس على استمرار الوجود العسكري للتحالف بصيغته السابقة، كما اعلنت بغداد ان هدفها هو تعزيز سيادة الدولة وحصر السلاح بيد المؤسسات الرسمية.

هذا التحول يضع الدولة العراقية امام مسؤولية اكبر، لان السيادة الاقتصادية تصبح اكثر اهمية عندما تتراجع الحاجة الى المظلة الامنية الخارجية، والدولة التي تريد تثبيت استقلال قرارها تحتاج الى اقتصاد قادر على تمويل مؤسساتها، وطاقة قادرة على تشغيل صناعتها، ومؤسسات قادرة على تطبيق القانون، وقطاع خاص قادر على خلق الوظائف، ونظام مالي قادر على تمويل الاستثمار، ولذلك فان انتهاء مهمة التحالف يمكن قراءته ايضا باعتباره انتقالا من مرحلة ركزت فيها الدولة على تثبيت الامن الى مرحلة يصبح فيها بناء القدرة الاقتصادية والمؤسسية جزءا اساسيا من مفهوم الامن الوطني.

العراق الذي بعده

العراق يمتلك فرصة تاريخية نادرة اذا استطاع ان يربط بين ثروته النفطية ومشروعات الكهرباء والبنية التحتية والاصلاح المؤسسي، فعدد سكانه تجاوز 47 مليون نسمة في 2025 وفقا للبنك الدولي، ونمو السكان بلغ نحو 2.1%، ما يعني ان الطلب على الوظائف والخدمات والطاقة سيواصل الارتفاع، كما ان هذه الكتلة السكانية تمثل في الوقت نفسه سوقا كبيرة وقاعدة بشرية يمكن ان تتحول الى قوة اقتصادية اذا توفرت فرص العمل والتعليم والانتاجية.

والتحدي الحقيقي امام حكومة علي الزيدي هو ان تترك للحكومات التي ستأتي بعدها شيئا يتجاوز المشروعات المنفردة، المطلوب بناء قاعدة مؤسسية تستطيع الحكومات المتعاقبة البناء عليها، شبكة كهرباء مستقرة، نظام تعاقدات شفاف، ادارة عامة اكثر كفاءة، تشريعات استثمارية واضحة، قطاع خاص اكثر قدرة على النمو، بنية نقل ولوجستيات حديثة، واستراتيجية حقيقية لاستثمار الغاز المصاحب والطاقة الشمسية، مع سياسة مالية تقلل تدريجيا من حساسية الدولة لتقلبات اسعار النفط.

نقطة البداية

لذلك فان عام 2027 قد يصبح في التجربة العراقية اكثر من عام لمضاعفة الكهرباء، وقد يمثل نقطة اختبار لقدرة الدولة على الانتقال من اقتصاد يعتمد على ادارة الازمات الى اقتصاد يبني القدرة، فالارقام المعلنة عن 37 الف ميغاواط الجديدة، و30 الف ميغاواط التي تستهدف الحكومة صيانتها، و10 آلاف ميغاواط من الواردات، تبدو كبيرة جدا على الورق، لكن قيمتها الاقتصادية ستحددها قدرة العراق على تحويلها الى كهرباء مستقرة تصل الى المصانع والمنازل والمزارع، وعلى خفض الفاقد، وتوفير الوقود، وتحصيل قيمة الخدمة، وحماية الاستثمارات من الفساد والتعطيل.

وفي النهاية فان مستقبل العراق لن يتحدد بكمية النفط التي ينتجها وحدها، ولا بعدد محطات الكهرباء التي يبنيها، وانما بقدرته على تحويل موارده الطبيعية الى مؤسسات وبنية تحتية وانتاج وفرص عمل، وهذا هو الاختبار الحقيقي للحكومة الحالية، اذا نجحت في الجمع بين مكافحة الفساد، واصلاح الكهرباء، واستثمار الغاز، وتحديث البنية التحتية، وتطوير التشريعات، وتعزيز القطاع الخاص، وترسيخ احتكار الدولة للقوة، فقد تضع اساسا اقتصاديا ومؤسسيا تستطيع الحكومات اللاحقة البناء عليه، اما اذا بقيت المشروعات منفصلة عن الاصلاح المؤسسي والتشريعي، فقد يضاف المزيد من الانفاق الى اقتصاد ما زال يعاني من المشكلة نفسها، ولهذا فان قصة العراق في 2027 ليست قصة كهرباء فقط، انها اختبار لما اذا كان العراق يستطيع اخيرا تحويل ثروته الهائلة من مورد مالي الى قوة اقتصادية مستدامة، ومن دولة تستهلك مواردها الى دولة تبني اصولا للاجيال القادمة

مركز Eprcen

مركز Eprcen

مؤسسة بحثية مستقلة تُعنى بإعداد دراسات استراتيجية وتحليلات معمقة في مجالي الاقتصاد والسياسة، اعتمادًا على منهجية علمية دقيقة تستهدف فهم التحولات المؤثرة في مسارات التنمية والاستقرار وصنع القرار.

رؤية استراتيجية تصل بريدك

اشترك في نشرتنا للحصول على أحدث التحليلات والتقارير.

مركز البحوث الاقتصادية والسياسية هو مركز بحثي مستقل يُعنى بإنتاج دراسات استراتيجية وتحليلات معمقة في مجالي الاقتصاد والسياسة، مع التركيز على القضايا الوطنية والإقليمية والدولية المؤثرة في مسارات التنمية والاستقرار وصنع القرار. يضم المركز نخبة من الباحثين والخبراء المتخصصين، ويعمل وفق منهجيات علمية رصينة وأدوات تحليل متقدمة لضمان تقديم رؤى استشرافية وتوصيات عملية قابلة للتطبيق، بما يسهم في دعم متخذ القرار وتعزيز كفاءة السياسات العامة في ظل بيئة تتسم بتعقيد وتشابك وتسارع التحولات.

استطلاع الرأي

Newsletter

Now Available in English

Subscribe and choose "English language" which contains the selection of local and international news, polls, articles, and analyzes in various fields.

سجّل مجاناً في النشرة البريدية

اضغط هنا وسجّل بريدك الإلكتروني.. لتصلك (مجاناً) صباح كل يوم النشرة البريدية الإلكترونية لمركز المعلومات وبداخلها أحدث إصدارات المركز ونخبة من الأخبار المحلية والعالمية والاستطلاعات والمقالات والتحليلات.