يمثل وضع حجر الأساس لمشروع سكة حديد العقبة – الشيدية – معان، في الخامس من أكتوبر 2026، بحضور جلالة الملك عبدالله الثاني وولي عهد أبوظبي الشيخ خالد بن محمد بن زايد آل نهيان، محطة مهمة في مسار إعادة تعريف البنية الاقتصادية واللوجستية للأردن. فالمشروع، الذي يجري تطويره باستثمار أردني إماراتي مشترك يقارب 2.5 مليار دولار، ويمتد على شبكة يبلغ طولها نحو 403 كيلومترات، يتجاوز في دلالته إنشاء خط حديدي لنقل المعادن من مناطق الإنتاج إلى ميناء العقبة، ليشكل نموذجًا عمليًا لكيفية توظيف الشراكات الإقليمية في بناء بنية تحتية ذات عائد اقتصادي مباشر، وربط رأس المال والخبرة والموارد والأسواق ضمن منظومة واحدة أكثر كفاءة.
الاقتصاد الأردني
وتكتسب أهمية المشروع بُعدًا إضافيًا من طبيعة الاقتصاد الأردني، فالأردن اقتصاد منفتح يعتمد بدرجة كبيرة على التجارة الخارجية، وتظل كفاءة النقل والخدمات اللوجستية عاملًا مؤثرًا في قدرة المنتج الوطني على الوصول إلى الأسواق الخارجية بتكلفة تنافسية. وقد بلغت قيمة الصادرات الوطنية الأردنية في عام 2025 نحو 9.624 مليار دينار، فيما وصلت الصادرات الكلية، بما فيها المعاد تصديره، إلى 10.583 مليار دينار، مقابل واردات بلغت 20.528 مليار دينار، وهو ما يعكس أهمية كل انخفاض في تكاليف النقل والخدمات اللوجستية بالنسبة إلى القدرة التنافسية والميزان التجاري والقدرة على التوسع في الأسواق الخارجية.
من هذه الزاوية، فإن القيمة الاقتصادية الأساسية للمشروع تبدأ من نقل قطاع التعدين الأردني من نموذج يعتمد بدرجة كبيرة على النقل البري إلى منظومة نقل سككي متخصصة تربط مواقع الإنتاج بميناء التصدير، حيث يستهدف المشروع نقل نحو 16 مليون طن سنويًا من الفوسفات والبوتاس، مع توقعات بخفض تكاليف نقل هذه المنتجات بنحو 40 مليون دولار سنويًا، فضلًا عن تخفيف الضغط عن شبكة الطرق وتقليل الحاجة إلى حركة الشاحنات الثقيلة لمسافات طويلة، وهي وفورات تتراكم سنويًا وتنعكس مباشرة على تكلفة المنتج الأردني عند بوابة التصدير.
الصادرات والتعدين
وتبرز أهمية ذلك عند النظر إلى موقع الفوسفات والبوتاس داخل هيكل الصادرات الأردنية، فقد أشارت دائرة الإحصاءات العامة إلى أن قطاعات الأسمدة والفوسفات والبوتاس كانت ضمن القطاعات الرئيسية التي تركزت فيها الصادرات الوطنية خلال عام 2025، ما يعني أن تطوير البنية اللوجستية المرتبطة بهذه السلع لا يستهدف قطاع نقل منفصلًا عن الاقتصاد، وإنما يمس أحد مصادر العملة الأجنبية والدخل التصديري للمملكة، وكل تحسن في تكلفة النقل والاعتمادية والقدرة على المناولة يرفع قدرة الشركات الأردنية على المنافسة في الأسواق الدولية.
منظومة متكاملة
لكن الأهمية الاقتصادية الأوسع للمشروع تظهر عندما ننظر إليه باعتباره جزءًا من منظومة متكاملة، وليس خطًا منفردًا، فربط الشيدية وغور الصافي بميناء العقبة، ثم ربط الشبكة بمنطقة معان التنموية والميناء البري في معان، يفتح المجال أمام نشوء سلسلة لوجستية متصلة تبدأ من مناطق الإنتاج، وتمتد إلى مراكز التجميع والتخزين والمناولة، وتنتهي في ميناء العقبة والأسواق الخارجية. وهذا النوع من التكامل هو الذي يمنح الاستثمار في البنية التحتية عائده الحقيقي، لأن القيمة الاقتصادية لا تتولد من السكة وحدها، وإنما من قدرتها على تقليل عدد حلقات النقل والمناولة والانتظار والتخزين داخل سلسلة الإمداد.
الشراكة الأردنية الإماراتية
وهنا تتضح فلسفة الشراكة الأردنية الإماراتية بصورة أكثر عمقًا، فالأردن يمتلك موقعًا جغرافيًا استراتيجيًا وموارد تعدينية وميناء العقبة وشبكة من المناطق التنموية والصناعية، فيما تمتلك دولة الإمارات خبرة متقدمة في تطوير وتشغيل شبكات السكك الحديدية والبنية اللوجستية وإدارة الموانئ وسلاسل الإمداد. وقد أسست الدولتان الشركة الأردنية الإماراتية للقطارات لتطوير المشروع، مع الاستفادة من خبرة شركة الاتحاد للقطارات في تنفيذ وتشغيل شبكات السكك، وهي صيغة تسمح بتجميع عناصر الإنتاج الاقتصادي المطلوبة داخل مشروع واحد، بدلًا من محاولة بناء كل عنصر بصورة منفصلة داخل كل دولة وبمواردها وخبراتها وحدها.
وتقدم التجربة الإماراتية في قطاع السكك دليلًا على قيمة نقل الخبرة المؤسسية والتشغيلية إلى مشاريع جديدة، فقد اكتملت شبكة السكك الوطنية الإماراتية بطول 900 كيلومتر ضمن مشروع استغرق 133 مليون ساعة عمل وشارك فيه 28 ألف متخصص، بينما تبلغ الطاقة السنوية لقطارات الشحن التابعة للاتحاد للقطارات نحو 60 مليون طن، وهي خبرة ستسهم في تشكيل الإضافة المطلوبة لمشروع سكة حديد العقبة.
كفاءة الشراكات
وهذه النقطة تحديدًا تفسر لماذا تصبح الشراكات الإقليمية أكثر أهمية في مشاريع البنية التحتية الكبرى، فالدول لا تبدأ دائمًا من نقطة الصفر، ويمكن للدولة التي تمتلك رأس المال أو الخبرة أو التكنولوجيا أو القدرة التشغيلية أن تتعاون مع الدولة التي تمتلك الموارد أو الموقع أو السوق، فتتحول الفروق بين الاقتصادات من عامل تباعد إلى مصدر تكامل، ويصبح الهدف هو تحقيق النتيجة الاقتصادية بأقل وقت وأقل تكلفة وأعلى مستوى ممكن من الكفاءة.
العائد اللوجستي
وتؤكد التجارب الدولية أن الاستثمار في السكك الحديدية لا ينبغي تقييمه فقط من خلال إيرادات رسوم نقل البضائع، لأن الأثر الاقتصادي الحقيقي يمتد إلى خفض تكاليف التجارة وتحسين موثوقية سلاسل الإمداد ورفع جاذبية الاستثمار وتوسيع الأسواق. ويشير البنك الدولي إلى أن تكاليف الخدمات اللوجستية قد تصل إلى 15–20 بالمئة من الناتج المحلي في العديد من الاقتصادات متوسطة الدخل، وترتفع في بعض الاقتصادات منخفضة الدخل والدول غير الساحلية إلى مستويات أعلى بكثير، كما تؤكد المؤسسة أن ضعف البنية التحتية والإجراءات التجارية والخدمات اللوجستية يرفع تكلفة التجارة ويحد من الاندماج الاقتصادي.
وتظهر نتائج مشاريع السكك التي دعمها البنك الدولي حجم التأثير الممكن، ففي الهند أدى تطوير ممرات مخصصة للشحن إلى بناء 1200 كيلومتر من خطوط السكك بين عامي 2011 و2024، ورفع الطاقة اليومية لقطارات الشحن في أحد المقاطع أربعة أضعاف، مع خفض تكاليف لوجستية بقيمة تصل إلى 58 مليون دولار. وفي أوزبكستان، أسهم مشروع سككي جديد في خفض تكاليف نقل بعض السلع الرئيسية بنسبة وصلت إلى 80 بالمئة، وهي مؤشرات تؤكد أن السكك الحديدية تصبح أداة اقتصادية عالية العائد عندما ترتبط بمراكز الإنتاج والأسواق والموانئ ضمن منظومة متكاملة.
التنمية الإقليمية
وبالنسبة إلى الأردن، فإن الأثر المحتمل لا يتوقف عند الفوسفات والبوتاس، فإدخال معان في المنظومة اللوجستية يمنح المنطقة فرصة للتحول من موقع جغرافي يقع بين مراكز النشاط الاقتصادي إلى عقدة اقتصادية تربط مناطق الإنتاج بالأسواق، خصوصًا مع تطوير الميناء البري والمنطقة اللوجستية والصناعية. وقد أشارت رئاسة الوزراء إلى أن هذا المشروع يستهدف إنشاء منطقة لوجستية وجمركية وصناعية متكاملة، مع ربطها بشبكة السكك من خلال وصلة تمتد إلى مسار الشيدية، وهو ما يمكن أن يوسع قاعدة المستفيدين من المشروع إلى قطاعات صناعية وتجارية تتجاوز قطاع التعدين.
ومن منظور التنمية الإقليمية، تحمل هذه المنظومة أهمية خاصة لمحافظات الجنوب، لأن البنية التحتية للنقل عندما ترتبط بالمناطق الصناعية والتعدينية واللوجستية يمكن أن تغير وظيفة المنطقة الاقتصادية نفسها، فتنتقل من الاعتماد على النشاط الاستخراجي وحده إلى اقتصاد أكثر تنوعًا يضم خدمات النقل والتخزين والصيانة والهندسة والمناولة والتصنيع والخدمات المساندة، كما يتوقع المشروع توفير نحو 5000 فرصة عمل، إلى جانب فرص غير مباشرة أمام الشركات المحلية في قطاعات الإنشاء والصيانة والخدمات والتكنولوجيا واللوجستيات.
العائد الإماراتي
أما بالنسبة إلى دولة الإمارات، فإن العائد الاقتصادي لا يرتبط فقط بحجم الاستثمار في الأردن، وإنما بتوسيع المجال الجغرافي لشبكة المصالح اللوجستية والاستثمارية الإماراتية، فامتلاك الخبرة في تشغيل السكك والموانئ والخدمات اللوجستية يمكن أن يتحول إلى قيمة تصديرية بحد ذاته عندما تنتقل هذه الخبرات إلى أسواق جديدة، كما أن ارتباط ميناء العقبة بشبكة نقل حديثة يضيف عقدة جديدة إلى منظومة التجارة الإقليمية، ويعزز فرص بناء مسارات أكثر كفاءة بين الخليج والمشرق والأسواق المحيطة.
قيمة مشتركة
وهنا تكمن الفكرة الأهم في التجربة الأردنية الإماراتية، وهي أن الشراكة الإقليمية الناجحة لا تقوم على تقاسم التمويل فقط، وإنما على تقاسم المزايا الاقتصادية، فالدولة المضيفة تحصل على بنية تحتية وتمويل وخبرة تشغيلية وأسواق أكثر كفاءة، والشريك الاستثماري يحصل على فرصة لتوسيع استثماراته وخبراته والوصول إلى أصول وأسواق جديدة، والاقتصاد الإقليمي يحصل على شبكة نقل أكثر ترابطًا، وهذه المعادلة ترفع العائد على الاستثمار لكل طرف مقارنة بالعمل المنفرد.
الأمن الاقتصادي
ومن المهم كذلك قراءة المشروع ضمن التحول العالمي في مفهوم الأمن الاقتصادي، فاضطرابات سلاسل الإمداد خلال السنوات الأخيرة أثبتت أن كفاءة الاقتصاد لا تعتمد على امتلاك الموارد وحدها، وإنما على القدرة على تحريكها في الوقت المناسب وبتكلفة يمكن التحكم فيها. وقد أصبح البنك الدولي يقيس جودة البنية التحتية المرتبطة بالتجارة والنقل ضمن مؤشر الأداء اللوجستي، الذي ينظر إلى الطرق والسكك والموانئ وتقنيات المعلومات باعتبارها مكونات مترابطة في قدرة الاقتصاد على تحريك السلع بسرعة وموثوقية.
ومن هنا، فإن مشروع سكة حديد العقبة يمكن أن يمثل بداية لنموذج أوسع من التعاون الاقتصادي الإقليمي، يقوم على فكرة توزيع الوظائف الاقتصادية بين الدول وفق الميزة النسبية لكل اقتصاد، فالدولة التي تمتلك موردًا أو موقعًا أو سوقًا أو قدرة تمويلية أو خبرة تشغيلية لا تحتاج إلى بناء منظومة مكتفية ذاتيًا، وإنما تستطيع أن تعظم عائدها من خلال الاندماج مع منظومات الدول المجاورة، وهذه هي الفكرة الجوهرية التي تقوم عليها سلاسل القيمة الحديثة.
منصة اقتصادية
وتحتاج المرحلة المقبلة إلى التعامل مع المشروع باعتباره منصة اقتصادية طويلة الأجل، بحيث تتزامن أعمال السكك مع تطوير الميناء البري في معان، والمناطق الصناعية واللوجستية، والخدمات الرقمية الجمركية، ومراكز التخزين والمناولة، وتسهيل حركة البضائع، واستقطاب صناعات تحويلية مرتبطة بالفوسفات والبوتاس والتعدين، لأن تعظيم العائد الاقتصادي يتطلب الانتقال تدريجيًا من تصدير المواد الخام إلى توسيع القيمة المضافة المحلية كلما سمحت الجدوى الاقتصادية بذلك.
أفق استراتيجي
إن القيمة الاستراتيجية لسكة حديد العقبة لا تكمن في طول الشبكة البالغ 403 كيلومترات، ولا في حجم الاستثمار البالغ 2.5 مليار دولار وحده، وإنما تكمن في قدرتها على تغيير العلاقة بين الجغرافيا والاقتصاد، وربط الموارد بمراكز الإنتاج والموانئ والأسواق ضمن مسار أكثر كفاءة، وتحويل الموقع الجغرافي للأردن من ميزة كامنة إلى ميزة اقتصادية قابلة للاستثمار، وفي الوقت ذاته تقديم نموذج عملي للشراكات الإقليمية التي تختصر الزمن والتكلفة وتجمع عناصر القوة لدى أكثر من دولة داخل مشروع واحد.
وعندما تنجح هذه المنظومة في العمل وفق تصور متكامل، فإن المشروع لن يكون مجرد استثمار في النقل، وإنما استثمارًا في القدرة التنافسية للاقتصاد الأردني، وفي موقع العقبة كمركز إقليمي، وفي التنمية الاقتصادية لمحافظات الجنوب، وفي عمق الشراكة الأردنية الإماراتية، والأهم أنه يقدم صيغة يمكن البناء عليها في مشاريع أخرى، حيث تتحول الشراكة الإقليمية من إطار للتعاون السياسي والاقتصادي إلى أداة عملية لرفع كفاءة التنمية، بحيث تحقق كل دولة أهدافها الوطنية بسرعة أكبر وتكلفة أقل، ضمن منظومة إقليمية تحقق في الوقت ذاته قيمة اقتصادية مشتركة أكثر اتساعًا واستدامة.