تكشف تطورات أسواق النفط خلال عام 2026 أن الحرب الإيرانية – الأمريكية لم تكن مجرد أزمة جيوسياسية عابرة، بل تحولت إلى صدمة مركبة أصابت ثلاثة محاور مترابطة: الإمدادات الفعلية، وتكاليف النقل والتأمين، وتوقعات الأسعار في السوق الآجلة. ويعود جوهر الأزمة إلى مضيق هرمز، الذي يمثل أحد أهم ممرات الطاقة في العالم، إذ يمر عبره عادة نحو خُمس الإمدادات النفطية العالمية، لذلك فإن أي اضطراب فيه لا ينعكس فقط على أسعار خام برنت وغرب تكساس، بل يمتد إلى أسعار الوقود، الشحن البحري، التأمين، التضخم، وتوقعات النمو العالمي.
بدأت الأزمة السعرية بوضوح مع تصاعد العمليات العسكرية في نهاية فبراير 2026 وما تبعها من تعطل فعلي في حركة الملاحة عبر المضيق، ووفق بيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية، بدأ خام برنت العام قرب 61 دولارًا للبرميل، ثم أنهى الربع الأول قرب 118 دولارًا، في واحدة من أكبر القفزات الحقيقية منذ أواخر الثمانينيات، كما تجاوز برنت مستوى 100 دولار في مارس، ثم سجل ذروة تقارب 138 دولارًا في 7 أبريل، وبلغ متوسطه في أبريل نحو 117 دولارًا للبرميل. وهذا يعني أن السوق لم تكن تسعر نقصًا عاديًا في الإمدادات، بل كانت تضيف علاوة مخاطر جيوسياسية وملاحية عالية.
لكن اللافت أن الأسعار لم تتحرك في اتجاه صاعد فقط، ففي أواخر مايو 2026، ومع ظهور مؤشرات على مفاوضات أو ترتيبات لوقف التصعيد وإعادة فتح المضيق تدريجيًا، تراجع خام برنت إلى حدود 92 دولارًا للبرميل، منخفضًا بنحو 19% منذ نهاية أبريل. هذا الهبوط لا يعني انتهاء الأزمة، بل يعكس حساسية السوق الشديدة للأخبار السياسية، فالسوق باتت تتحرك بين عاملين متضادين: من ناحية، نقص فعلي في الإمدادات والمخزونات؛ ومن ناحية أخرى، توقعات المستثمرين بأن التسوية السياسية قد تخفف القيود على الملاحة وتعيد جزءًا من المعروض.
على جانب الإمدادات، تشير تقديرات وكالة الطاقة الدولية إلى أن المعروض العالمي انخفض في أبريل إلى نحو 95.1 مليون برميل يوميا، مع خسائر تراكمية منذ فبراير تقدر بنحو 12.8 مليون برميل يوميًا، كما أن إنتاج دول الخليج المتأثرة بإغلاق أو تعطل مضيق هرمز كان أقل من مستواه السابق للحرب بنحو 14.4 مليون برميل يوميًا. ووفق السيناريو الأساسي للوكالة، قد ينخفض متوسط الإمداد العالمي خلال 2026 بنحو 3.9 مليون برميل يوميًا ليصل إلى 102.2 مليون برميل يوميًا، حتى مع افتراض عودة تدريجية للتدفقات اعتبارًا من يونيو، وهذا يوضح أن عودة الأسعار إلى مستويات ما قبل الحرب ليست مسألة سياسية فقط، بل تتطلب وقتًا لإصلاح البنية التحتية، وعودة الناقلات، وتطبيع عقود التأمين والشحن.
أما جانب الطلب، فيعكس صورة أكثر تعقيدًا. فارتفاع الأسعار لا يؤدي فقط إلى زيادة إيرادات المنتجين، بل يضغط على المستهلكين والصناعة والنقل الجوي والبتروكيماويات، وتتوقع وكالة الطاقة الدولية انكماش الطلب العالمي على النفط في 2026 بنحو 420 ألف برميل يوميًا ليصل إلى حوالي 104 ملايين برميل يوميًا، مع تراجع أكبر في الربع الثاني يبلغ 2.45 مليون برميل يوميًا. وفي المقابل، تظل منظمة أوبك أكثر تفاؤلًا نسبيًا، إذ خفضت توقعاتها لنمو الطلب في 2026 إلى 1.17 مليون برميل يوميًا بدلًا من 1.38 مليونًا، هذا الاختلاف بين الوكالة وأوبك مهم أكاديميًا؛ لأنه يعكس اختلافًا في تقدير أثر السعر المرتفع والحرب على السلوك الاستهلاكي والنشاط الاقتصادي.
وتظهر خطورة الأزمة كذلك في سوق الشحن والتأمين، فقد ارتفعت تكلفة ناقلات النفط العملاقة من الشرق الأوسط إلى الصين إلى مستويات قياسية تجاوزت 400 ألف دولار يوميًا في بداية الأزمة، كما قفزت تكاليف شحن الغاز الطبيعي المسال بأكثر من 40%، كذلك ارتفعت أقساط التأمين ضد مخاطر الحرب، حيث تشير تقديرات إلى أن قسط التأمين على هيكل الناقلة قد يصل إلى نحو 3% من قيمة السفينة، أي حوالي 7.5 مليون دولار لناقلة قيمتها بين 200 و300 مليون دولار، مقارنة بنحو 625 ألف دولار قبل النزاع. هذه التكاليف لا تظهر دائمًا مباشرة في سعر خام برنت، لكنها تنتقل تدريجيًا إلى أسعار المنتجات النفطية والغازية والسلع المنقولة بحرًا.
وتكشف بيانات الملاحة أن عودة السوق إلى طبيعتها قد تكون أبطأ من تراجع الأسعار. فقبل الحرب كانت حركة المرور عبر مضيق هرمز تتراوح بين 125 و140 عبورًا يوميًا، بينما هبطت في أواخر مايو إلى نحو 11 عبورًا يوميًا فقط، وهذا يعني أن الأسعار قد تنخفض بفعل التفاؤل السياسي، بينما تظل تدفقات النفط الفعلية مقيدة، لذلك فإن الخطر الرئيسي في المرحلة الحالية هو انفصال مؤقت بين سعر السوق وواقع الإمداد: إذ قد يراهن المستثمرون على اتفاق قريب، بينما تستمر شركات الشحن والتأمين في طلب ضمانات أمنية قبل العودة الكاملة.
أعادت الحرب الإيرانية–الأمريكية تعريف المخاطر في سوق النفط العالمي، فلم تعد الأسعار محكومة فقط بمعادلة العرض والطلب التقليدية، بل أصبحت مرتبطة بدرجة انفتاح مضيق هرمز، وتكاليف التأمين، وتوافر الناقلات، وسرعة تعويض الإمدادات من الولايات المتحدة ومنتجين خارج أوبك، وفي المدى القصير، من المرجح استمرار التقلبات الحادة بين 90 و110 دولارات لبرنت ما لم يحدث اتفاق واضح ومستقر. أما في المدى المتوسط، فإن عودة الأسعار إلى مستويات ما قبل الحرب ستتطلب إعادة بناء المخزونات، واستعادة ثقة شركات الملاحة، وتراجع علاوة المخاطر الجيوسياسية، وهي شروط قد تستغرق أشهرًا حتى لو توقفت العمليات العسكرية رسميًا.