En

مـركـز البـحـوث الاقـتـصـاديـة والـسـياسـيـة Eprcen

أخبار المركز
جذور الانقسام ومستقبل المصالحة في ظل الحرب.. لماذا فشلت الوحدة الفلسطينة؟ التقارب الصيني- الكوري الشمالي.. إعادة إحياء التحالف أم بناء محور شرق آسيا؟ الحرب الإسرائيلية على لبنان.. صراع الحدود وإعادة تشكيل الشرق الأوسط الحرب الروسية الأوكرانية.. من رهان الحسم إلى حرب الاستنزاف المفتوحة؟ الحرب الأمريكية الإيرانية.. صراع أربعة عقود بين الردع والهيمنة وماذا بعد؟ الحوسبة السحابية ومراكز البيانات: الابتكارات التكنولوجية الحديثة وآثارها الاقتصادية على الاستثمار العالمي صدمة مضيق هرمز وتقلبات سلاسل الإمداد: انعكاسات الحرب الإيرانية–الأمريكية على أسواق النفط العالمية الجامعة المصرية ونادي المائة: البحث العلمي رهان الدولة لبناء التنمية والمنافسة العالمية أول دليل بالجامعات المصرية: جامعة القاهرة تقود ثورة الذكاء الاصطناعي في البحث العلمي الأمن النووي وإعادة تشكيل النظام الدولي: مقاربة تحليلة بين التنمية والسلام العالمي

مـركـز البـحـوث الاقـتـصـاديـة والـسـياسـيـة

الحرب الإسرائيلية على لبنان.. صراع الحدود وإعادة تشكيل الشرق الأوسط

الملف الصوتي
00:00 / 00:00

لا يمكن النظر إلى الحرب الإسرائيلية على لبنان باعتبارها مجرد مواجهة عسكرية بين إسرائيل وحزب الله، لأن هذا التوصيف يختزل صراعًا معقدًا تشكل عبر عقود طويلة من التفاعلات السياسية والأمنية والإقليمية، فالحرب الحالية تمثل نقطة التقاء بين المشروع الأمني الإسرائيلي، والمشروع الإقليمي الإيراني، والدور الأمريكي في الشرق الأوسط، والتنافس الدولي على النفوذ في شرق المتوسط، فضلًا عن الأزمة البنيوية التي تعاني منها الدولة اللبنانية منذ عقود، ولذلك فإن ما يجري على الأراضي اللبنانية يتجاوز حدود الصراع المحلي ليصبح جزءًا من معركة أوسع حول شكل التوازنات الإقليمية ومستقبل النظام السياسي والأمني في المنطقة بأكملها، فلبنان لم يعد مجرد ساحة مواجهة بين طرفين، بل أصبح مسرحًا تتقاطع فيه مصالح القوى الكبرى والإقليمية، وتنعكس عليه تداعيات كل أزمة أو حرب تشهدها المنطقة، وهو ما يجعل فهم الحرب الحالية مرتبطًا بفهم السياق التاريخي الذي أنتجها والمسارات السياسية التي دفعت إليها.

الجذور التاريخية:

بدأت الجذور الحقيقية للحرب الراهنة مع الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982، عندما قررت إسرائيل دخول الأراضي اللبنانية بهدف القضاء على منظمة التحرير الفلسطينية وإعادة تشكيل البيئة الأمنية المحيطة بها، إلا أن نتائج الحرب جاءت مختلفة عن التوقعات الإسرائيلية، إذ أدى الاحتلال إلى نشوء حركات مقاومة جديدة كان أبرزها حزب الله الذي تأسس بدعم مباشر من إيران، وتحول تدريجيًا إلى قوة عسكرية وسياسية مؤثرة داخل لبنان، ومع مرور السنوات لم يعد الحزب مجرد تنظيم مقاوم للاحتلال، بل أصبح جزءًا من معادلة إقليمية أوسع تربط بين لبنان وإيران وسوريا والقضية الفلسطينية، كما ساهم الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان عام 2000 في تعزيز مكانة الحزب داخل المجتمع اللبناني وبين مؤيديه الذين اعتبروا أن المقاومة المسلحة نجحت فيما فشلت فيه المسارات السياسية والدبلوماسية، ومنذ ذلك الوقت دخل الصراع مرحلة جديدة أصبحت فيها قضية المقاومة والسلاح جزءًا من البنية السياسية اللبنانية نفسها.

توازن الردع:

شكلت حرب يوليو 2006 نقطة تحول استراتيجية في تاريخ الصراع بين إسرائيل وحزب الله، فقد دخل الطرفان الحرب وهما يعتقدان أن بإمكانهما تحقيق مكاسب حاسمة، لكن النتيجة النهائية أسست لمرحلة طويلة من الردع المتبادل، إذ أدركت إسرائيل أن أي حرب برية واسعة داخل لبنان ستكون مكلفة بشريًا وعسكريًا وسياسيًا، بينما أدرك حزب الله أن أي مواجهة شاملة قد تؤدي إلى دمار واسع للبنان وتفرض عليه أثمانًا باهظة، ومن هنا نشأت معادلة جديدة تقوم على تجنب الحرب الشاملة مع الاستعداد الدائم لها، وخلال السنوات التالية عملت إسرائيل على تطوير قدراتها الدفاعية والاستخباراتية والتكنولوجية، في حين ركز الحزب على توسيع ترسانته الصاروخية وتطوير قدراته في مجال الطائرات المسيّرة والحرب الإلكترونية، الأمر الذي جعل التوازن القائم أكثر هشاشة وتعقيدًا، حيث أصبح كل طرف يمتلك أدوات قادرة على إلحاق خسائر كبيرة بالطرف الآخر دون أن يمتلك القدرة على تحقيق نصر نهائي وحاسم.

جبهة غزة:

أعادت حرب غزة التي اندلعت بعد أحداث السابع من أكتوبر رسم المشهد الأمني في المنطقة بصورة كاملة، إذ لم يعد الصراع مقتصرًا على الأراضي الفلسطينية، بل امتد ليشمل جبهات متعددة من بينها الجبهة اللبنانية، وقد رأى حزب الله أن التطورات في غزة تفرض عليه التدخل ضمن إطار ما يعرف بمحور المقاومة، بينما اعتبرت إسرائيل أن فتح جبهة جديدة من الشمال يشكل تهديدًا استراتيجيًا لا يقل خطورة عن التحديات التي تواجهها في غزة، ومع مرور الوقت تحولت المواجهات الحدودية المحدودة إلى حرب استنزاف طويلة، شملت عمليات اغتيال وضربات جوية وقصفًا متبادلًا واستهدافًا للبنية العسكرية والاقتصادية، كما أدت إلى نزوح عشرات الآلاف من السكان من جانبي الحدود، وأظهرت هذه المرحلة أن ساحات الصراع في الشرق الأوسط أصبحت مترابطة بصورة غير مسبوقة، بحيث بات أي تصعيد في غزة قادرًا على إشعال جبهات أخرى في لبنان وسوريا والعراق وربما أبعد من ذلك.

التحول الاستراتيجي:

شهدت الحرب خلال عامي 2025 و2026 تحولًا مهمًا في التفكير الإسرائيلي، إذ لم يعد الهدف يقتصر على ردع حزب الله أو احتواء تهديداته العسكرية، بل أصبح يرتبط بإعادة صياغة البيئة الأمنية اللبنانية بصورة أكثر جذرية، فصناع القرار في إسرائيل باتوا ينظرون إلى الحرب باعتبارها فرصة لإحداث تغيير استراتيجي طويل المدى يحد من قدرة الحزب على تهديد العمق الإسرائيلي، ويعيد رسم قواعد الاشتباك التي تشكلت بعد حرب 2006، وفي المقابل ينظر حزب الله إلى هذه الحرب باعتبارها معركة تتعلق بمستقبله السياسي والعسكري ومكانته داخل لبنان والمنطقة، ولذلك فإن الطرفين لا يتعاملان مع المواجهة الحالية باعتبارها جولة عسكرية عابرة، بل باعتبارها صراعًا قد يحدد شكل العلاقة بينهما لعقود قادمة.

معضلة السلاح:

تمثل قضية سلاح حزب الله جوهر الأزمة اللبنانية الحالية وأحد أهم أسباب استمرار الصراع، فالقوى الغربية والعديد من الدول العربية ترى أن بناء دولة لبنانية قوية ومستقرة يتطلب احتكار الدولة وحدها لاستخدام القوة والسلاح، بينما يرى الحزب أن سلاحه يمثل عنصر الردع الأساسي في مواجهة إسرائيل وأن التخلي عنه في الظروف الحالية سيجعل لبنان مكشوفًا أمنيًا وعسكريًا، وتزداد تعقيدات هذا الملف بسبب ارتباطه بالتركيبة الطائفية والسياسية اللبنانية، حيث لا يتعلق الأمر فقط بقضية أمنية أو عسكرية، بل يمتد إلى قضايا التوازن الداخلي والتمثيل السياسي والهوية الوطنية، ولذلك تبدو مسألة نزع السلاح أكثر تعقيدًا من مجرد قرار سياسي أو اتفاق دولي، لأنها ترتبط بإعادة تعريف دور الدولة اللبنانية نفسها وحدود سلطتها ومستقبل علاقتها بمختلف القوى السياسية.

الدور الإيراني:

تعد إيران الطرف الإقليمي الأكثر تأثيرًا في الحرب اللبنانية، فالعلاقة بين طهران وحزب الله لم تكن يومًا مجرد علاقة دعم عسكري أو مالي، بل هي جزء من مشروع استراتيجي متكامل بنته إيران على مدى أكثر من أربعة عقود، وقد وفر الحزب لإيران قدرة على التأثير في الصراع العربي الإسرائيلي وعلى ممارسة الضغط على خصومها الإقليميين والدوليين دون الدخول في مواجهة مباشرة، كما أصبح يمثل أحد أهم مكونات شبكة النفوذ الإيرانية الممتدة من الخليج العربي إلى البحر المتوسط، ولهذا فإن أي محاولة لإضعاف الحزب أو نزع سلاحه تُنظر إليها في طهران باعتبارها استهدافًا مباشرًا لمصالحها الاستراتيجية ومكانتها الإقليمية، وفي المقابل تدرك إيران أن المتغيرات الإقليمية الحالية تفرض عليها تحديات كبيرة وتجعل الحفاظ على نفوذها في لبنان أكثر صعوبة مما كان عليه الحال في السنوات السابقة.

الحضور الأمريكي:

تلعب الولايات المتحدة الدور الدولي الأكثر تأثيرًا في هذا الصراع، فهي الحليف الاستراتيجي الأول لإسرائيل، كما أنها الطرف الأكثر قدرة على التأثير في مسارات الحرب والتسوية معًا، وتنظر واشنطن إلى حزب الله باعتباره أحد أهم أدوات النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط، ولذلك فإن إضعافه أو تقليص نفوذه يشكل جزءًا من استراتيجية أمريكية أوسع تستهدف الحد من النفوذ الإيراني في المنطقة، إلا أن الولايات المتحدة تواجه معضلة معقدة تتمثل في رغبتها في تقليص قوة الحزب دون التسبب في انهيار الدولة اللبنانية، فهي تدرك أن أي فراغ أمني أو سياسي واسع قد يؤدي إلى فوضى جديدة تهدد المصالح الأمريكية نفسها، ومن هنا تحاول واشنطن الموازنة بين دعم إسرائيل، ودعم مؤسسات الدولة اللبنانية، ومنع توسع الحرب إلى مواجهة إقليمية شاملة تشمل إيران وحلفاءها.

الرؤية الفرنسية:

تنظر فرنسا إلى لبنان باعتباره جزءًا من مجالها التاريخي والثقافي والسياسي في الشرق الأوسط، ولذلك فإن اهتمامها بالأزمة اللبنانية يتجاوز الاعتبارات الأمنية المباشرة، فباريس تخشى أن يؤدي انهيار الدولة اللبنانية إلى فقدان آخر مواقع نفوذها التقليدي في المشرق العربي، كما تخشى من تداعيات أمنية وإنسانية قد تمتد إلى أوروبا نفسها، ولهذا تسعى فرنسا إلى لعب دور الوسيط بين مختلف الأطراف، وتدعم أي جهود تؤدي إلى تثبيت وقف إطلاق النار وتعزيز مؤسسات الدولة اللبنانية، كما تحاول إيجاد تسوية سياسية تضمن الاستقرار دون دفع البلاد نحو صدام داخلي جديد، وهو ما يجعل موقفها أقرب إلى البحث عن حلول توافقية طويلة المدى بدلًا من التركيز على المكاسب العسكرية المباشرة.

الموقف العربي:

شهد الموقف العربي تجاه الحرب تطورًا ملحوظًا خلال السنوات الأخيرة، فالدول العربية ترفض من حيث المبدأ الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان وتؤكد دعمها لسيادته ووحدة أراضيه، لكنها في الوقت نفسه تنظر بقلق إلى استمرار وجود قوى مسلحة خارج إطار الدولة، وترى أن استقرار لبنان على المدى الطويل يتطلب بناء مؤسسات قوية قادرة على فرض سلطتها على كامل الأراضي اللبنانية، كما تدرك العديد من العواصم العربية أن استمرار الصراع سيؤدي إلى مزيد من التدهور الاقتصادي والسياسي في لبنان ويزيد من فرص التدخلات الخارجية، ولذلك تميل الرؤية العربية إلى دعم الدولة اللبنانية والجيش اللبناني والعمل على منع تحول لبنان إلى ساحة دائمة للصراعات الإقليمية.

المشهد القادم:

تشير المؤشرات الحالية إلى أن لبنان يقف أمام واحدة من أهم اللحظات في تاريخه الحديث، فالحرب الدائرة اليوم لا تتعلق فقط بالحدود الجنوبية أو بالمواجهة بين إسرائيل وحزب الله، بل تتعلق بمستقبل الدولة اللبنانية نفسها وبموقعها داخل التوازنات الإقليمية الجديدة، كما ترتبط بمستقبل النفوذ الإيراني والدور الأمريكي وشكل العلاقات العربية الإقليمية خلال السنوات المقبلة، ولذلك فإن نتائج هذه الحرب لن تقتصر على تحديد من يربح أو يخسر عسكريًا، بل ستؤثر في شكل النظام السياسي والأمني في الشرق الأوسط لعقود قادمة، وقد تحدد ما إذا كان لبنان سيتحول إلى دولة قادرة على استعادة سيادتها الكاملة، أم سيظل ساحة مفتوحة لتقاطع المشاريع والصراعات الإقليمية والدولية.

مركز Eprcen

مركز Eprcen

مؤسسة بحثية مستقلة تُعنى بإعداد دراسات استراتيجية وتحليلات معمقة في مجالي الاقتصاد والسياسة، اعتمادًا على منهجية علمية دقيقة تستهدف فهم التحولات المؤثرة في مسارات التنمية والاستقرار وصنع القرار.

رؤية استراتيجية تصل بريدك

اشترك في نشرتنا للحصول على أحدث التحليلات والتقارير.

مركز البحوث الاقتصادية والسياسية هو مركز بحثي مستقل يُعنى بإنتاج دراسات استراتيجية وتحليلات معمقة في مجالي الاقتصاد والسياسة، مع التركيز على القضايا الوطنية والإقليمية والدولية المؤثرة في مسارات التنمية والاستقرار وصنع القرار. يضم المركز نخبة من الباحثين والخبراء المتخصصين، ويعمل وفق منهجيات علمية رصينة وأدوات تحليل متقدمة لضمان تقديم رؤى استشرافية وتوصيات عملية قابلة للتطبيق، بما يسهم في دعم متخذ القرار وتعزيز كفاءة السياسات العامة في ظل بيئة تتسم بتعقيد وتشابك وتسارع التحولات.

استطلاع الرأي

Newsletter

Now Available in English

Subscribe and choose "English language" which contains the selection of local and international news, polls, articles, and analyzes in various fields.

سجّل مجاناً في النشرة البريدية

اضغط هنا وسجّل بريدك الإلكتروني.. لتصلك (مجاناً) صباح كل يوم النشرة البريدية الإلكترونية لمركز المعلومات وبداخلها أحدث إصدارات المركز ونخبة من الأخبار المحلية والعالمية والاستطلاعات والمقالات والتحليلات.