En

مـركـز البـحـوث الاقـتـصـاديـة والـسـياسـيـة Eprcen

مـركـز البـحـوث الاقـتـصـاديـة والـسـياسـيـة

الناقل الوطني للمياه:إعادة تشكيل معادلة الأمن المائي والاقتصادي في الأردن

الملف الصوتي
00:00 / 00:00

لم يعد مشروع الناقل الوطني للمياه في الأردن مجرد مشروع لإضافة مصدر جديد لمياه الشرب، بل أصبح أحد أبرز مشروعات البنية التحتية المرتبطة بمستقبل الاقتصاد الأردني، إذ ينقل إدارة أزمة المياه من الاعتماد المتزايد على مصادر محدودة إلى بناء منظومة جديدة تقوم على تحلية مياه البحر، والطاقة المتجددة، والنقل لمسافات طويلة، والشراكة بين القطاعين العام والخاص، والتمويل الدولي، وفي أبريل 2026، وقّعت الحكومة الأردنية الاتفاقية الفنية والقانونية النهائية للمشروع، تمهيدًا للإغلاق المالي وبدء الأعمال التنفيذية، فيما تقدر التكلفة الرأسمالية بنحو 4.3 مليار دولار، بينما تصل التكلفة الإجمالية مع التمويل إلى نحو 5.8 مليار دولار.

معادلة مائية جديدة

يقوم المشروع على تحلية نحو 300 مليون متر مكعب من مياه البحر سنويًا في العقبة، ثم نقلها عبر شبكة أنابيب يبلغ طولها نحو 450 كيلومترًا باتجاه عمّان ومناطق أخرى في المملكة. وتكتسب هذه الأرقام أهمية اقتصادية تتجاوز الحسابات الفنية، لأن المياه تمثل مدخلًا أساسيًا للإنتاج والصناعة والسياحة والاستثمار والخدمات، وبالتالي فإن زيادة الموارد المائية المتاحة يمكن أن توسع قدرة الاقتصاد على استيعاب السكان والنشاط الاقتصادي بدلًا من أن يتحول نقص المياه إلى قيد على النمو. وتقدر الحكومة أن المشروع سيوفر قرابة 40% من احتياجات مياه الشرب في المملكة.

ويعكس المشروع تحولًا مهمًا من نموذج يعتمد بدرجة كبيرة على الموارد المائية التقليدية إلى نموذج يعتمد على تحلية مياه البحر الأحمر باعتبارها مصدرًا إضافيًا يمكن التخطيط لإمداداته على أساس بنية تحتية طويلة الأجل. غير أن هذا التحول يفرض في الوقت نفسه معادلة اقتصادية جديدة، إذ تصبح المياه أكثر ارتباطًا بالطاقة؛ فإنتاج المياه المحلاة ونقلها لمسافات طويلة يتطلبان كميات كبيرة من الطاقة، ما يجعل تكلفة الكهرباء أحد العناصر المؤثرة في اقتصاديات المشروع. ولهذا يدمج المشروع مكونات للطاقة المتجددة لتغطية جزء من احتياجاته الكهربائية، وتشير وزارة المياه والري إلى أن مكونات الطاقة المتجددة ستوفر نحو 31% من الكهرباء المرتبطة بالمشروع.

معادلة التمويل

لا يقل الجانب المالي للمشروع أهمية عن الجانب الهندسي، خصوصًا أن حجم الاستثمار المطلوب يجعله من المشروعات الكبرى التي تحتاج إلى مزيج من مصادر التمويل. ولذلك لا يعتمد المشروع على مصدر واحد، وإنما يجمع بين التمويل التنموي، والتمويل الخاص، والمنح، وأدوات ضمان المخاطر، بما يسمح بتوزيع المخاطر المالية على أكثر من طرف، وتقليل الأعباء المرتبطة بمشروع يمتد أثره التشغيلي لعقود.

وتظهر أهمية الولايات المتحدة بصورة خاصة من خلال مؤسسة التمويل التنموي الدولية الأمريكية DFC، التي وافق مجلس إدارتها في سبتمبر 2026 على قرض بقيمة مليار دولار لشركة مشروع الناقل الوطني، إلى جانب تأمين مخاطر سياسية يصل إلى 800 مليون دولار للمستثمرين في المشروع. ويكشف ذلك أن المشاركة الأمريكية لا تتمثل ببساطة في تقديم تمويل مباشر بقيمة مليارات الدولارات، وإنما في بناء حزمة من أدوات التمويل والضمان تستهدف تقليل المخاطر وجذب رأس المال الخاص إلى مشروع طويل الأجل وعالي التكلفة. وفي السياق ذاته، حصل المشروع على دعم أوروبي؛ ففي يونيو 2026 وُقعت اتفاقية دعم ألماني بقيمة إجمالية 127 مليون يورو، منها 102 مليون يورو منحة ألمانية و25 مليون يورو عبر مبادلة ديون.

تكلفة استراتيجية

ويكشف الفارق بين 4.3 مليار دولار للتكلفة الرأسمالية و5.8 مليار دولار للتكلفة الإجمالية مع التمويل عن طبيعة المشروع باعتباره استثمارًا طويل الأجل لا تقتصر تكلفته على إنشاء محطة التحلية وشبكة الأنابيب، وإنما تشمل أيضًا تكلفة التمويل المرتبطة ببنية تحتية ضخمة تمتد آثارها لعقود. ومن ثم، فإن نجاح المشروع اقتصاديًا لن يتوقف على إنجاز الأعمال الإنشائية، وإنما على قدرة منظومة التشغيل على المحافظة على تكلفة مياه قابلة للتحمل، وإدارة استهلاك الطاقة، وتقليل الفاقد، وضمان كفاءة شبكات النقل والتوزيع.

وهنا تظهر أهمية الانتقال من التفكير في المشروع باعتباره عملية إنتاج مياه فقط إلى النظر إليه باعتباره منظومة اقتصادية متكاملة؛ فكل عنصر فيها يؤثر في الآخر، من الطاقة المستخدمة في التحلية، إلى تكلفة الضخ والنقل، ثم كفاءة التخزين والتوزيع، وصولًا إلى قدرة الشبكة على توفير المياه بصورة مستقرة. وبالتالي فإن العائد الحقيقي للمشروع لن يقاس فقط بحجم المياه المنتجة، وإنما بمدى قدرة هذه المنظومة على تحويل المياه المحلاة إلى مورد مستدام وفعال اقتصاديًا.

سد فجوة المياه

وتتجاوز وظيفة المشروع إضافة 300 مليون متر مكعب سنويًا إلى محاولة التعامل مع الفجوة المائية المستقبلية في الأردن. فالمشروع يستهدف تقليص 75% من العجز المائي المتوقع للأردن بحلول 2040، وفق ملخص الاستثمار الخاص بـDFC. كما تشير البيانات الحكومية إلى أن المشروع يمكن أن يرفع حصة الفرد السنوية من المياه من نحو 60 مترًا مكعبًا إلى 110 أمتار مكعبة، وأن يزيد انتظام التزويد بالمياه من يوم واحد إلى ثلاثة أيام أسبوعيًا.

وتكتسب هذه المؤشرات أهمية خاصة لأنها تعكس تحولًا في طبيعة الهدف من المشروع؛ فالقضية لا تتعلق فقط بزيادة المعروض من المياه، وإنما بإعادة صياغة استقرار الخدمة المائية وجودتها وانتظامها. وبذلك يصبح المشروع أداة للتعامل مع جانب من الضغوط المرتبطة بالنمو السكاني والطلب المتزايد على المياه، إلى جانب توفير مصدر جديد يمكن الاعتماد عليه ضمن التخطيط المائي طويل الأجل.

أثر اقتصادي واسع

ولا يتوقف التأثير الاقتصادي المحتمل للناقل الوطني عند قطاع المياه، إذ إن إنشاء محطة تحلية ضخمة وشبكة نقل بطول 450 كيلومترًا ومحطات ضخ ومنظومة للطاقة المتجددة وخزانات وشبكات توزيع، يعني خلق طلب واسع على قطاعات الهندسة والإنشاءات والمعدات والطاقة والصيانة والنقل والخدمات الفنية. كما يمكن للمشروع أن يخلق فرصًا لتطوير سلاسل قيمة محلية مرتبطة بالمعدات والخدمات والصيانة، بما يجعل الاستثمار في المياه يمتد إلى قطاعات اقتصادية أخرى.

ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى الناقل الوطني باعتباره في الوقت نفسه مشروع مياه ومشروع بنية تحتية ومشروعًا لتحفيز سلاسل القيمة المحلية. فحجم الإنفاق الرأسمالي لا يرتبط فقط ببناء منشآت مائية، وإنما يخلق شبكة من الأنشطة الاقتصادية المرتبطة بالتنفيذ والتشغيل والصيانة والخدمات المساندة، وهو ما يوسع الأثر الاقتصادي للمشروع خارج نطاق قطاع المياه المباشر.

العقبة.. نقطة الانطلاق

ويمثل اختيار العقبة نقطة الانطلاق للمشروع نتيجة مباشرة للجغرافيا الأردنية، باعتبارها نافذة المملكة على البحر الأحمر ومصدر المياه الذي ستبدأ منه عملية التحلية، بينما تتحول شبكة النقل الممتدة شمالًا إلى العمود الفقري لنقل المياه إلى مراكز الاستهلاك. ومن هنا يتقاطع الأمن المائي مع الجغرافيا الاقتصادية، إذ تكتسب العقبة وظيفة إضافية تتجاوز دورها كميناء ومنطقة اقتصادية لتصبح نقطة انطلاق لمورد مائي استراتيجي.

كما أن امتداد شبكة النقل لمسافة تقارب 450 كيلومترًا يوضح حجم التحدي الهندسي والاقتصادي للمشروع؛ فالمياه لا يتم إنتاجها في منطقة الاستهلاك، وإنما يتم نقلها عبر مسافة طويلة، الأمر الذي يجعل تصميم الشبكة ومحطات الضخ والخزانات وكفاءة التشغيل عوامل أساسية في تحديد التكلفة النهائية واستدامة الإمداد.

الطاقة والمياه

تظل تكلفة الطاقة واحدة من أهم المتغيرات التي ستحدد اقتصاديات المشروع. فالمياه المحلاة تحتاج إلى طاقة أثناء عملية الإنتاج، ثم تحتاج إلى طاقة إضافية لضخها لمسافات طويلة ورفعها إلى ارتفاعات تصل إلى نحو 1100 متر فوق سطح البحر. وبالتالي فإن الطاقة المتجددة ليست مجرد إضافة بيئية للمشروع، وإنما جزء من المعادلة المالية والتشغيلية التي تحدد تكلفة المياه.

وبناءً على ذلك، فإن العلاقة بين الماء والطاقة ستكون من أهم محددات الأداء الاقتصادي للناقل الوطني؛ فكل انخفاض مستدام في تكلفة الطاقة يمكن أن يساعد في تحسين اقتصاديات التشغيل، بينما يمكن أن يؤدي ارتفاع تكلفة الطاقة إلى زيادة الضغط على النموذج المالي. ولذلك فإن دمج الطاقة المتجددة داخل منظومة المشروع يمثل محاولة لتقليل أحد أهم مصادر المخاطر التشغيلية على المدى الطويل.

اختبار الحوكمة

ويجعل الحجم المالي والهندسي للمشروع الحوكمة عاملًا حاسمًا في نجاحه. فالمشروع قائم على نموذج الشراكة بين القطاعين العام والخاص، وهو ما يجعل العلاقة بين الدولة والمطورين والممولين تتجاوز مرحلة الإنشاء إلى منظومة طويلة الأجل تتعلق بالتشغيل والصيانة والتسعير وتوزيع المخاطر وضمان جودة المياه واستدامة التمويل.

ومن ثم، فإن نجاح المشروع لا ينبغي أن يقاس فقط بتاريخ اكتمال محطة التحلية أو مد خطوط الأنابيب، وإنما بقدرته على الحفاظ على الكفاءة التشغيلية والاستدامة المالية خلال سنوات طويلة. وكلما ارتفعت كفاءة الإدارة، وتراجعت مستويات الفاقد، وتحسنت كفاءة الطاقة، زادت قدرة المشروع على تحقيق أهدافه الاقتصادية والمائية.

الأمن المائي 

في الحالة الأردنية، يرتبط الأمن المائي بالأمن الاقتصادي بصورة مباشرة؛ فالمياه تدخل في الإنتاج الصناعي والسياحة والخدمات والزراعة والتوسع الحضري والاستثمار. ولذلك فإن استمرار نقص المياه يمكن أن يتحول إلى قيد على النشاط الاقتصادي، بينما يوفر وجود مصدر مائي أكثر استقرارًا مساحة أكبر للتخطيط والاستثمار والتوسع.

ومن هذا المنظور، يمكن قراءة الناقل الوطني باعتباره استثمارًا في القدرة الإنتاجية المستقبلية للاقتصاد الأردني، وليس مجرد إنفاق على البنية الأساسية. فالمياه المستقرة تمنح القطاعات الاقتصادية قدرة أكبر على التخطيط، وتقلل من حالة عدم اليقين المرتبطة بتوافر المورد المائي، وتدعم قدرة الدولة على التعامل مع الطلب المتزايد على المياه في المستقبل.

البعد الدولي

ويحمل المشروع كذلك بعدًا دوليًا واضحًا، ليس باعتباره مشروعًا يفقد طابعه الوطني، وإنما باعتباره نموذجًا لتداخل الأمن المائي مع التمويل الدولي والاستثمار والتنمية. فوجود مؤسسة التمويل التنموي الدولية الأمريكية، والدعم الألماني، والشراكة مع مستثمرين دوليين، يعكس تحول مشروعات المياه الكبرى إلى مجال يجمع بين الأهداف التنموية والمصالح الاقتصادية وأدوات التمويل الدولية.

وتظل المشاركة الدولية في جوهرها مرتبطة بالتمويل والاستثمار والضمانات والدعم الفني، بينما يظل المشروع في جوهره مشروعًا وطنيًا أردنيًا يستهدف توفير مصدر إضافي ومستدام لمياه الشرب. وهذه المعادلة تمنح المشروع أهمية تتجاوز قيمته المالية المباشرة، لأنه يمثل حالة تطبيقية لكيفية استخدام الشراكات الدولية لتمويل بنية تحتية استراتيجية ذات أثر طويل الأجل.

قراءة ختامية

يمثل الناقل الوطني للمياه في الأردن تحولًا من إدارة أزمة المياه من خلال الحلول قصيرة الأجل إلى محاولة بناء منظومة استراتيجية طويلة الأجل، تقوم على تحويل مياه البحر إلى مورد قابل للاستخدام، ونقلها لمسافات طويلة، وربطها بالطاقة المتجددة، وتعبئة التمويل الدولي والخاص، وإعادة توزيع المياه بما يدعم مراكز الاستهلاك الرئيسية.

وبتكلفة رأسمالية تبلغ نحو 4.3 مليار دولار، وإجمالي تكلفة مع التمويل يصل إلى 5.8 مليار دولار، ومنحة أمريكية بقيمة 203 ملايين دولار، وقرض من DFC بقيمة مليار دولار، وتأمين مخاطر سياسية يصل إلى 800 مليون دولار، وطول يبلغ نحو 450 كيلومترًا، وطاقة مستهدفة تصل إلى 300 مليون متر مكعب سنويًا، فإن المشروع يمثل اختبارًا كبيرًا لقدرة الأردن على تحويل تحدٍ مائي مزمن إلى استثمار طويل الأجل في الأمن المائي والاستقرار الاقتصادي والبنية التحتية والتنمية.

مركز Eprcen

مركز Eprcen

مؤسسة بحثية مستقلة تُعنى بإعداد دراسات استراتيجية وتحليلات معمقة في مجالي الاقتصاد والسياسة، اعتمادًا على منهجية علمية دقيقة تستهدف فهم التحولات المؤثرة في مسارات التنمية والاستقرار وصنع القرار.

رؤية استراتيجية تصل بريدك

اشترك في نشرتنا للحصول على أحدث التحليلات والتقارير.

مركز البحوث الاقتصادية والسياسية هو مركز بحثي مستقل يُعنى بإنتاج دراسات استراتيجية وتحليلات معمقة في مجالي الاقتصاد والسياسة، مع التركيز على القضايا الوطنية والإقليمية والدولية المؤثرة في مسارات التنمية والاستقرار وصنع القرار. يضم المركز نخبة من الباحثين والخبراء المتخصصين، ويعمل وفق منهجيات علمية رصينة وأدوات تحليل متقدمة لضمان تقديم رؤى استشرافية وتوصيات عملية قابلة للتطبيق، بما يسهم في دعم متخذ القرار وتعزيز كفاءة السياسات العامة في ظل بيئة تتسم بتعقيد وتشابك وتسارع التحولات.

استطلاع الرأي

Newsletter

Now Available in English

Subscribe and choose "English language" which contains the selection of local and international news, polls, articles, and analyzes in various fields.

سجّل مجاناً في النشرة البريدية

اضغط هنا وسجّل بريدك الإلكتروني.. لتصلك (مجاناً) صباح كل يوم النشرة البريدية الإلكترونية لمركز المعلومات وبداخلها أحدث إصدارات المركز ونخبة من الأخبار المحلية والعالمية والاستطلاعات والمقالات والتحليلات.