En

مـركـز البـحـوث الاقـتـصـاديـة والـسـياسـيـة Eprcen

مـركـز البـحـوث الاقـتـصـاديـة والـسـياسـيـة

نحو مركز عالمي للمعرفة والأعمال.. تجربة الإمارات في ظل نحن الإمارات 2031

الملف الصوتي
00:00 / 00:00

يمثل الاقتصاد الإماراتي واحدة من أكثر التجارب التنموية تميزا في الاقتصادات الناشئة خلال العقود الأخيرة، ليس فقط نتيجة معدلات النمو الاقتصادي المرتفعة أو سرعة التحولات العمرانية والاستثمارية، وإنما بسبب طبيعة التحول الهيكلي الذي أعاد تشكيل النموذج الاقتصادي للدولة بصورة تدريجية. فقد انتقل الاقتصاد من نموذج يعتمد بدرجة كبيرة على العوائد النفطية والأنشطة المرتبطة بها إلى نموذج اقتصادي متعدد المحركات يرتكز على التجارة الدولية والخدمات المالية والنقل والخدمات اللوجستية والسياحة والتكنولوجيا والاقتصاد الرقمي والاستثمارات العابرة للحدود.

وتنبع خصوصية التجربة الإماراتية من كونها تجاوزت نموذج التنويع التقليدي الذي تسعى إليه الاقتصادات الريعية، لتتجه نحو بناء منظومة اقتصادية تقوم على إنتاج القيمة المضافة وتعزيز الإنتاجية واستقطاب رأس المال العالمي والكفاءات البشرية والقطاعات المعرفية ذات المحتوى التكنولوجي المرتفع. وقد استند هذا التحول إلى مجموعة مترابطة من السياسات الاقتصادية شملت الاستثمار المكثف في البنية التحتية، وتعزيز الانفتاح التجاري، وتطوير البيئة التشريعية، وتوسيع نطاق المناطق الاقتصادية المتخصصة، إلى جانب رفع كفاءة المؤسسات الاقتصادية والتنظيمية.

ومن منظور اقتصادي هيكلي، لم يكن الهدف المركزي لهذه السياسات تحقيق نمو اقتصادي قصير الأجل أو رفع الناتج المحلي بصورة مؤقتة، وإنما بناء اقتصاد يمتلك قدرة مرتفعة على امتصاص الصدمات الخارجية والمحافظة على استدامة النمو في بيئة دولية تتسم بارتفاع مستويات عدم اليقين وتسارع التحولات الجيوسياسية والتكنولوجية.

وتزداد أهمية التجربة الإماراتية خلال المرحلة الراهنة في ظل المتغيرات التي يشهدها الاقتصاد العالمي، خاصة إعادة هيكلة سلاسل الإمداد الدولية، وتنامي دور الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي، وتصاعد المنافسة العالمية على جذب رؤوس الأموال والاستثمارات النوعية والكفاءات البشرية، وفي هذا السياق جاءت رؤية “نحن الإمارات 2031” لتعكس انتقال الدولة من مرحلة التنويع الاقتصادي إلى مرحلة أكثر عمقا تقوم على إعادة تعريف موقع الإمارات داخل الاقتصاد العالمي بوصفها مركزا للإنتاج المعرفي والابتكار والتجارة والاستثمار العالمي، مع استهداف رفع الناتج المحلي الإجمالي إلى نحو 3 تريليونات درهم بحلول عام 2031.

الاقتصاد الإماراتي خلال العقد الأخير: من اقتصاد تقوده الموارد إلى اقتصاد تقوده المرونة الهيكلية

   شهد الاقتصاد الإماراتي خلال السنوات العشر الماضية تحولات هيكلية واسعة تزامنت مع تعرض الاقتصاد العالمي لصدمات متلاحقة شملت انهيار أسعار النفط خلال الفترة 2014-2016، وجائحة كورونا، واضطرابات سلاسل الإمداد، وارتفاع معدلات التضخم العالمية وتشديد السياسات النقدية الدولية. وعلى الرغم من تلك المتغيرات، أظهر الاقتصاد الإماراتي مستويات مرتفعة من المرونة الاقتصادية مقارنة بعدد كبير من الاقتصادات الإقليمية والناشئة.

وتشير المؤشرات الحديثة إلى أن الأنشطة غير النفطية أصبحت تشكل نحو 77.3% من الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي خلال الربع الأول من عام 2025، وهي أعلى نسبة يتم تسجيلها تاريخيا للاقتصاد الإماراتي، في حين ارتفع الناتج المحلي غير النفطي بنسبة 5.3% ليصل إلى 352 مليار درهم خلال الفترة ذاتها. كما بلغ الناتج المحلي الإجمالي الكلي نحو 455 مليار درهم خلال الربع الأول من عام 2025. وتعكس هذه الأرقام انتقال الاقتصاد من مرحلة التنويع القطاعي إلى مرحلة أكثر تقدما تتعلق بإعادة تشكيل هيكل النمو ذاته.

ولا تقتصر أهمية هذه المؤشرات على بعدها الكمي، إذ إن التحول الأكثر جوهرية يتمثل في تغير وظيفة القطاع النفطي داخل الاقتصاد الوطني. فقد كان النفط خلال المراحل السابقة يمثل المحرك الرئيسي للنشاط الاقتصادي ومصدر النمو الأساسي، في حين أصبح دوره يتجه بصورة متزايدة نحو توفير الموارد اللازمة لتمويل التحول الهيكلي والاستثمار في القطاعات الجديدة ذات الإنتاجية المرتفعة والقيمة المضافة الأكبر.

وفي الوقت نفسه، شهدت التجارة الخارجية غير النفطية توسعا استثنائيا يعكس قدرة الإمارات على ترسيخ مكانتها ضمن شبكات التجارة العالمية. فقد بلغت قيمة التجارة الخارجية غير النفطية نحو 1.7 تريليون درهم خلال النصف الأول من عام 2025، بنمو سنوي تجاوز 24%، في حين ارتفعت الصادرات غير النفطية بنسبة قاربت 44.7% لتصل إلى نحو 369.5 مليار درهم. وتشير هذه الأرقام إلى أن الإمارات لم تعد مجرد سوق إقليمي للتجارة التقليدية، وإنما أصبحت مركزا عالميا لإعادة التصدير والخدمات اللوجستية وسلاسل القيمة الدولية وحركة التجارة العابرة للقارات.

ومن منظور اقتصادي أعمق، فإن ما تحقق خلال العقد الأخير يعكس انتقال الاقتصاد الإماراتي من نموذج يعتمد على توظيف الموارد الطبيعية إلى نموذج يعتمد بصورة متزايدة على توظيف المعرفة ورأس المال البشري والابتكار والتكنولوجيا، وهو تحول يحمل آثارا بعيدة المدى على استدامة النمو الاقتصادي ورفع مستويات الإنتاجية وتقليص حساسية الاقتصاد تجاه تقلبات أسواق الطاقة.

المالية العامة والاستدامة الاقتصادية: بناء نموذج أقل حساسية للصدمات

   يعد التحول في بنية المالية العامة الإماراتية خلال العقدين الأخيرين أحد أكثر التحولات المؤسسية عمقا في المنطقة، إذ لم يعد مفهوم الاستدامة المالية مرتبطا بالمعايير التقليدية التي تركز على مستويات العجز المالي أو حجم الدين العام فقط وإنما أصبح يرتبط بصورة متزايدة بقدرة الاقتصاد على بناء قاعدة إيرادات مستقرة، ورفع كفاءة الإنفاق العام، وتعظيم العائد الاقتصادي والاجتماعي للاستثمارات الحكومية، وتوسيع الأصول السيادية القادرة على توليد تدفقات مالية طويلة الأجل مستقلة نسبيا عن التقلبات الدورية لأسواق النفط.

وتشير الأدبيات الاقتصادية الحديثة المتعلقة بالدول الغنية بالموارد الطبيعية إلى أن الاستدامة المالية الحقيقية لا تتحقق من خلال تقليص الإنفاق أو تخفيض المديونية بصورة مجردة، وإنما عبر تحويل الثروة الطبيعية الناضبة إلى أصول إنتاجية ومالية مستدامة قادرة على خلق تدفقات دخل مستقبلية، وفي هذا السياق تبدو التجربة الإماراتية نموذجا متقدما لما يعرف اقتصاديا بعملية “تحويل رأس المال الطبيعي إلى رأس مال منتج”، حيث جرى توظيف جزء كبير من الفوائض النفطية المتراكمة في بناء محافظ استثمارية وأصول سيادية واسعة النطاق موزعة جغرافيا وقطاعيا.

ومن منظور كلي تكشف المؤشرات المالية أن الإمارات نجحت بصورة ملحوظة في تعزيز متانة مركزها المالي خلال السنوات الأخيرة رغم التقلبات النفطية العالمية، وتشير تقديرات صندوق النقد الدولي إلى أن الإيرادات الحكومية بلغت نحو 27.8% من الناتج المحلي الإجمالي خلال عام 2024، في حين بلغت النفقات العامة نحو 21.4% من الناتج المحلي، الأمر الذي أدى إلى تسجيل فائض مالي بلغ نحو 6.4% من الناتج المحلي الإجمالي، وتشير التقديرات إلى استمرار تسجيل فوائض مالية خلال الأعوام المقبلة عند مستويات تتجاوز 5% من الناتج المحلي، وهي مستويات مرتفعة مقارنة بالعديد من الاقتصادات المتقدمة والناشئة.

وتكتسب هذه المؤشرات أهمية استثنائية إذا ما تمت قراءتها من منظور هيكلي أوسع، إذ إن الفوائض المالية لم تعد تعتمد بصورة مطلقة على الدورة النفطية التقليدية، بقدر اعتمادها على اتساع مساهمة الأنشطة غير النفطية في الناتج المحلي الإجمالي والتي تجاوزت 77%، بالتزامن مع تنامي مساهمة الإيرادات غير النفطية الناتجة عن الضرائب والرسوم الحكومية وعوائد الاستثمارات والأرباح السيادية، كما شكل إدخال ضريبة القيمة المضافة بنسبة 5% منذ عام 2018 وتطبيق ضريبة الشركات بنسبة 9% على الأرباح الخاضعة للضريبة اعتبارا من عام 2023 نقطة تحول مهمة في إعادة تشكيل هيكل الإيرادات العامة دون التأثير بصورة جوهرية على جاذبية الدولة الاستثمارية.

وفي جانب آخر من مؤشرات الاستدامة المالية حافظت الإمارات على مستويات مديونية تعد منخفضة نسبيا وفقا للمعايير الدولية، فقد بلغ إجمالي الدين الحكومي نحو 34.9% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2024، مع توقعات بانخفاضه تدريجيا إلى ما يقارب 32.4% خلال عام 2026، وهي مستويات تقل بصورة واضحة عن متوسطات العديد من الاقتصادات المتقدمة التي تتجاوز فيها نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي 100%. ويعكس ذلك وجود مساحة مالية واسعة تتيح للحكومة التدخل عند الضرورة دون توليد ضغوط كبيرة على الاستقرار المالي أو النقدي.

غير أن العنصر الأكثر أهمية في قوة المالية العامة الإماراتية يتمثل في حجم الأصول السيادية الخارجية التي تمثل خط الدفاع الاستراتيجي طويل الأجل للاقتصاد الوطني، حيث تشير التقديرات الدولية إلى أن الصناديق السيادية الإماراتية تعد من بين الأكبر عالميا، حيث تدير مؤسسات استثمارية مثل جهاز أبوظبي للاستثمار ومبادلة وADQ أصولا تتجاوز قيمتها المجمعة 1.8 تريليون دولار، كما ارتفعت الأصول المدارة لدى شركة مبادلة وحدها إلى نحو 385 مليار دولار خلال عام 2025 بعد نمو سنوي بلغ 17% مع تحقيق متوسط عائد سنوي تجاوز 10% خلال السنوات العشر الأخيرة، وتكمن أهمية هذه الأصول في أنها لا تمثل احتياطيات مالية جامدة وإنما محافظ استثمارية عالمية موزعة على التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والبنية التحتية والطاقة والقطاع المالي والرعاية الصحية والعقارات والأسواق العالمية.

وتظهر قوة المركز الخارجي للدولة أيضا من خلال ارتفاع صافي الأصول الأجنبية وتزايد الاحتياطيات الرسمية، فقد بلغت الأصول الأجنبية الرسمية لدى المصرف المركزي نحو 238 مليار دولار في عام 2024 مع توقعات بارتفاعها إلى أكثر من 304 مليارات دولار خلال عام 2026، وهو ما يعادل تغطية تتجاوز ثمانية أشهر من الواردات السلعية والخدمية، وهي مستويات تتجاوز بكثير الحدود الآمنة المعتمدة دوليا، وسجل الحساب الجاري فائضا بلغ 14.5% من الناتج المحلي الإجمالي خلال عام 2024، وتعكس هذه المؤشرات قدرة الاقتصاد على تمويل احتياجاته الخارجية وامتصاص الصدمات المرتبطة بالتجارة العالمية أو تحركات رؤوس الأموال.

 

وفي التحليل الاقتصادي العميق لا تتمثل القضية الجوهرية في امتلاك فوائض مالية أو احتياطيات مرتفعة فحسب، وإنما في طبيعة البنية المؤسسية التي تحكم إدارة هذه الموارد، فالاقتصادات المعتمدة بصورة كبيرة على الإيرادات النفطية غالبا ما تواجه دورات مالية حادة ترتفع خلالها النفقات العامة أثناء فترات الرواج وتنكمش بصورة كبيرة خلال فترات الهبوط، أما النموذج الإماراتي فقد اتجه بصورة متزايدة نحو بناء ما يمكن وصفه بدورة مالية أكثر استقرارا تقوم على تنويع مصادر الدخل وتوسيع الأصول الاستثمارية وتحويل جزء من الثروة النفطية إلى أصول مولدة للدخل المستدام.

وفي ضوء استمرار حالة عدم اليقين العالمي وتصاعد المخاطر الجيوسياسية والتحولات المرتبطة بأسواق الطاقة والتكنولوجيا، فإن أهمية هذا التحول تكمن في إعادة تشكيل مفهوم الاستدامة الاقتصادية من اقتصاد يعتمد على تدفقات سلعية متقلبة إلى اقتصاد يمتلك قدرة أعلى على إنتاج الثروة والمحافظة عليها وإعادة تدويرها عبر الأجيال.

الصناعة والخدمات اللوجستية والتجارة الدولية: من اقتصاد عبور إلى مركز لإعادة تشكيل سلاسل القيمة العالمية

   تشكل الصناعة والخدمات اللوجستية والتجارة الدولية أحد الأعمدة البنيوية الأكثر تأثيرا في مسار التحول الاقتصادي في دولة الإمارات خلال العقد الأخير، إذ تجاوز دورها حدود المساهمة المباشرة في الناتج المحلي الإجمالي إلى كونها منظومة استراتيجية لإعادة تموضع الدولة داخل الاقتصاد العالمي، وقد انتقل النموذج الإماراتي من وظيفة تقليدية تقوم على الاستفادة من الموقع الجغرافي كمعبر تجاري إلى نموذج أكثر تعقيدا يقوم على إدارة التدفقات العالمية للسلع والخدمات ورأس المال والمعلومات ضمن شبكة لوجستية متكاملة ذات طابع عالمي.

ويعكس هذا التحول إعادة تعريف جوهر الميزة التنافسية حيث لم يعد الموقع الجغرافي في حد ذاته كافيا لتفسير قوة المركز التجاري، وإنما أصبحت القيمة الاقتصادية تتحدد بمدى القدرة على دمج البنية التحتية المادية مع البنية الرقمية والتشريعية والتنظيمية، وفي هذا الإطار برزت الإمارات كإحدى أكثر الاقتصادات تقدما في بناء منظومة لوجستية متعددة الطبقات تشمل الموانئ البحرية والمناطق الحرة والمطارات ومراكز إعادة التصدير، إضافة إلى بيئة تنظيمية مرنة تدعم حركة التجارة والاستثمار عبر الحدود.

وتشير البيانات الحديثة إلى أن مساهمة الاقتصاد غير النفطي تجاوزت 77.3% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2025، وهو ما يعكس عمق التحول الهيكلي في بنية الاقتصاد الوطني، وضمن هذا السياق بلغت مساهمة قطاع التجارة نحو 15.6% من الناتج غير النفطي، في حين سجل قطاع الصناعة التحويلية نحو 13.4%، وهو مستوى يعكس تطورا تدريجيا في دور القطاع الصناعي ضمن منظومة النمو، مع انتقاله من الصناعات التقليدية إلى صناعات ذات كثافة تكنولوجية أعلى وقيمة مضافة أكبر.

وتظهر مؤشرات التجارة الخارجية غير النفطية اتساعا غير مسبوق في حجم الانخراط في الاقتصاد العالمي، حيث تجاوزت قيمة التجارة غير النفطية حاجز التريليون درهم خلال عام 2025، مع نمو سنوي قوي يعكس تسارع الاندماج في شبكات التجارة الدولية، وارتفعت قيمة الصادرات غير النفطية إلى نحو 813.8 مليار درهم بزيادة تفوق 45% مقارنة بالعام السابق، في حين سجلت إعادة التصدير مستويات تتجاوز 830 مليار درهم، وهو ما يؤكد تعمق دور الدولة كمركز عالمي لإعادة توزيع السلع وإعادة توجيهها عبر القارات.

ومن منظور الاقتصاد الكلي للتجارة الدولية فإن هذه المؤشرات تشير إلى تحول نوعي في وظيفة الاقتصاد ضمن سلاسل القيمة العالمية، ففي الأدبيات الاقتصادية الحديثة تعد الخدمات اللوجستية أحد المحددات الجوهرية للميزة التنافسية للدول، نظرا لدورها في تقليص تكاليف المعاملات وتسريع دورات الإنتاج والتوزيع، ورفع كفاءة تدفقات التجارة ورأس المال، ووفق هذا المنظور تتجه الإمارات نحو نموذج اقتصاد شبكي متكامل يقوم على ربط الأسواق الآسيوية والأوروبية والإفريقية ضمن منظومة لوجستية واحدة عالية الكفاءة.

وتعززت هذه المكانة نتيجة الاستثمار المكثف في البنية التحتية للنقل والتجارة، حيث تحتل الموانئ الإماراتية مراكز متقدمة عالميا من حيث كفاءة التشغيل وحجم المناولة، إذ تدير موانئ مثل جبل علي أكثر من 15 مليون حاوية نمطية سنويا، وتعد من بين أكبر المراكز اللوجستية في العالم من حيث الربط بين خطوط الشحن الدولية. كما تحتل مطارات الدولة وعلى رأسها مطار دبي الدولي، موقعا متقدما عالميا من حيث حركة المسافرين الدوليين التي تجاوزت 87 مليون مسافر سنويا قبل الجائحة، مع تعاف سريع أعاد ترسيخ مكانته كأحد أهم مراكز الربط الجوي العالمي.

وتكتسب هذه التطورات أهمية مضاعفة في ظل التحولات الجارية في سلاسل التوريد العالمية، والتي شهدت إعادة هيكلة واسعة نتيجة الأزمات الجيوسياسية، واضطرابات الشحن البحري، وارتفاع تكاليف النقل الدولي، والتوجه نحو إعادة توزيع المخاطر الإنتاجية جغرافيا، وفي هذا السياق أصبحت القدرة على توفير بنية تحتية مرنة وسريعة الاستجابة عاملا حاسما في قرارات الاستثمار العالمية، وهو ما يمنح الإمارات ميزة تنافسية واضحة باعتبارها مركزا مستقرا وفعالا لحركة التجارة الدولية.

كما أسهمت المناطق الحرة في تعزيز هذا النموذج الاقتصادي، من خلال توفير بيئة تنظيمية منخفضة التعقيد ومرتفعة الكفاءة، حيث تضم الدولة أكثر من 45 منطقة حرة تعمل على جذب الاستثمارات الصناعية والتجارية والخدمية، مع ملكية أجنبية كاملة وإعفاءات ضريبية جزئية أو كلية، الأمر الذي عزز تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر ورفع جاذبية الدولة كمركز إنتاج وإعادة تصدير في آن واحد.

وفي ضوء هذه التحولات يتوقع أن يستمر القطاع الصناعي والخدمات اللوجستية في لعب دور محوري في قيادة النمو غير النفطي خلال السنوات المقبلة، خاصة مع توسع اتفاقيات الشراكة الاقتصادية الشاملة التي تربط الإمارات بعدد متزايد من الاقتصادات العالمية، ومع تسارع الاستثمارات في الصناعات المتقدمة مثل الصناعات التحويلية عالية التقنية، والطاقة المتقدمة، والتصنيع المرتبط بالذكاء الاصطناعي وسلاسل الإمداد الذكية. وبذلك تتجه الدولة نحو ترسيخ موقعها كأحد المراكز المحورية في الاقتصاد العالمي المعاد تشكيله على أساس الكفاءة اللوجستية والتكامل الصناعي والمرونة التجارية.

السياحة والاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي: بناء محركات نمو ما بعد الاقتصاد التقليدي

   شهدت دولة الإمارات خلال العقد الأخير تحولا واضحا في طبيعة القطاعات المحركة للنمو الاقتصادي، حيث انتقلت السياحة من قطاع خدمي تقليدي إلى قطاع اقتصادي استراتيجي متعدد الآثار يمتد تأثيره إلى النقل والطيران والعقارات والتجارة والخدمات المالية وسوق العمل.

وتشير البيانات الحديثة إلى أن قطاع السياحة والسفر أسهم بما يقارب 70 مليار دولار في الاقتصاد الإماراتي خلال عام 2024، بما يعادل نحو 13% من الناتج المحلي الإجمالي، كما استقبلت الدولة ما يقارب 45 مليون زائر دولي، ووفرت الأنشطة المرتبطة بالسياحة ما يقارب 899 ألف فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة.

غير أن الأهمية الاقتصادية للسياحة الإماراتية لا تكمن فقط في أعداد الزوار أو الإيرادات، لأن القيمة الحقيقية تتمثل في طبيعة النموذج السياحي الذي تم بناؤه، فالدولة لم تعتمد على السياحة التقليدية القائمة على الجذب الموسمي وإنما اتجهت نحو تنويع المنتج السياحي ليشمل سياحة الأعمال والمؤتمرات والسياحة العلاجية والترفيهية والثقافية والرياضية.

وفي الوقت ذاته تتجه الإمارات بصورة متسارعة نحو الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي باعتبارهما أحد أهم محركات النمو خلال العقود المقبلة، فالتقديرات الاقتصادية العالمية تشير إلى أن الذكاء الاصطناعي قد يضيف تريليونات الدولارات إلى الاقتصاد العالمي خلال السنوات القادمة، وهو ما دفع الدولة إلى الاستثمار المكثف في البنية الرقمية والحوسبة السحابية والبيانات الضخمة والتقنيات المتقدمة.

ومن منظور اقتصادي أكثر عمقا فإن الذكاء الاصطناعي يمثل تقنية أفقية تؤثر على جميع القطاعات الاقتصادية الأخرى، فرفع كفاءة الصناعة والخدمات المالية والنقل والطاقة والرعاية الصحية والتعليم يعتمد بصورة متزايدة على دمج تقنيات الذكاء الاصطناعي ضمن عمليات الإنتاج واتخاذ القرار.

كما بدأت الدولة بالتحرك نحو نماذج حكومية رقمية متقدمة تعتمد على التحليلات الذكية والأتمتة، الأمر الذي قد يسهم في تخفيض تكاليف المعاملات الاقتصادية ورفع مستويات الإنتاجية الكلية لعوامل الإنتاج على المدى الطويل.

رؤية “نحن الإمارات 2031”: إعادة صياغة النموذج الاقتصادي نحو اقتصاد أكثر إنتاجية وتنافسية

   تمثل رؤية “نحن الإمارات 2031” إطارا استراتيجيا لإعادة تشكيل الاقتصاد الإماراتي خلال المرحلة المقبلة، ولا يمكن النظر إليها باعتبارها خطة اقتصادية تقليدية تستهدف رفع بعض المؤشرات الكمية فقط، لأن جوهرها الحقيقي يرتبط بإعادة صياغة هيكل الاقتصاد الوطني وتحديد مصادر النمو المستقبلية.

وتستهدف الرؤية رفع الناتج المحلي الإجمالي إلى نحو 3 تريليونات درهم بحلول عام 2031، إلى جانب رفع التجارة الخارجية وتعزيز مكانة الدولة ضمن الاقتصادات الأكثر تنافسية على المستوى العالمي.

أحد أهم أبعاد الرؤية يتمثل في التحول من اقتصاد يعتمد بصورة كبيرة على تراكم رأس المال المادي إلى اقتصاد يرتكز بصورة متزايدة على المعرفة والإنتاجية والابتكار والتكنولوجيا، فالاقتصادات الحديثة لا تقاس فقط بحجم الإنفاق الاستثماري أو حجم الأصول المادية، وإنما بقدرتها على إنتاج المعرفة وتحويلها إلى قيمة اقتصادية قابلة للنمو والاستدامة.

كما تستهدف الرؤية تعميق مساهمة القطاع الخاص، وتعزيز بيئة الأعمال، وجذب الاستثمارات الأجنبية النوعية، ورفع مساهمة الاقتصاد الرقمي ضمن الناتج المحلي الإجمالي، إلى جانب تطوير رأس المال البشري وتحسين إنتاجية سوق العمل.

ورغم ما تتمتع به دولة الإمارات من عناصر قوة واضحة تشمل الاستقرار الاقتصادي والبنية التحتية المتقدمة والموقع الجغرافي والمرونة التشريعية، فإن نجاح الرؤية سيبقى مرتبطا بقدرة الاقتصاد على المحافظة على معدلات مرتفعة من الإنتاجية والابتكار واستقطاب الكفاءات العالمية.

مركز Eprcen

مركز Eprcen

مؤسسة بحثية مستقلة تُعنى بإعداد دراسات استراتيجية وتحليلات معمقة في مجالي الاقتصاد والسياسة، اعتمادًا على منهجية علمية دقيقة تستهدف فهم التحولات المؤثرة في مسارات التنمية والاستقرار وصنع القرار.

رؤية استراتيجية تصل بريدك

اشترك في نشرتنا للحصول على أحدث التحليلات والتقارير.

مركز البحوث الاقتصادية والسياسية هو مركز بحثي مستقل يُعنى بإنتاج دراسات استراتيجية وتحليلات معمقة في مجالي الاقتصاد والسياسة، مع التركيز على القضايا الوطنية والإقليمية والدولية المؤثرة في مسارات التنمية والاستقرار وصنع القرار. يضم المركز نخبة من الباحثين والخبراء المتخصصين، ويعمل وفق منهجيات علمية رصينة وأدوات تحليل متقدمة لضمان تقديم رؤى استشرافية وتوصيات عملية قابلة للتطبيق، بما يسهم في دعم متخذ القرار وتعزيز كفاءة السياسات العامة في ظل بيئة تتسم بتعقيد وتشابك وتسارع التحولات.

استطلاع الرأي

Newsletter

Now Available in English

Subscribe and choose "English language" which contains the selection of local and international news, polls, articles, and analyzes in various fields.

سجّل مجاناً في النشرة البريدية

اضغط هنا وسجّل بريدك الإلكتروني.. لتصلك (مجاناً) صباح كل يوم النشرة البريدية الإلكترونية لمركز المعلومات وبداخلها أحدث إصدارات المركز ونخبة من الأخبار المحلية والعالمية والاستطلاعات والمقالات والتحليلات.