En

مـركـز البـحـوث الاقـتـصـاديـة والـسـياسـيـة Eprcen

مـركـز البـحـوث الاقـتـصـاديـة والـسـياسـيـة

نحو نموذج نمو جديد.. الاقتصاد الأردني ورؤية التحديث الاقتصادي 2030

الملف الصوتي
00:00 / 00:00

خلال العقد الأخير لم يكن النهج الاقتصادي الأردني مرتبط بمفهوم النمو مرتفع بمعناه التقليدي، إنما ارتبط بشكل رئيسي بفكرة الحفاظ على الاستقرار الاقتصادي الكلي ضمن واحدة من أكثر البيئات الجيوسياسية والاقتصادية اضطرابا في العالم، فمنذ عام 2011 واجه الأردن سلسلة متتابعة من الصدمات الخارجية شملت تدفقات لجوء واسعة النطاق وإغلاقات للحدود التجارية مع عدد من الأسواق المجاورة، واضطرابات في سلاسل الإمداد العالمية، وجائحة كورونا، ثم موجات التضخم العالمية والتوترات الجيوسياسية الإقليمية.

في مثل هذه البيئات عادة ما تواجه الاقتصادات الصغيرة والمفتوحة اختلالات كبيرة تتمثل في ضغوط على أسعار الصرف، وارتفاعات حادة في معدلات التضخم، وتراجع الاحتياطيات الأجنبية، وتزايد الضغوط على المالية العامة، إلا أن الأردن استطاع إلى حد كبير الحفاظ على توازناته الاقتصادية الأساسية، وهو ما يشير إلى أن الإنجاز الاقتصادي الرئيسي خلال العقد الماضي لم يكن تحقيق معدلات نمو مرتفعة بقدر ما كان بناء قدرة اقتصادية ومؤسسية على الصمود أمام الصدمات.

ومن هذا المنطلق يمكن النظر إلى السنوات العشر الماضية باعتبارها مرحلة تأسيس اقتصادي وهيكلي تمهد للانتقال إلى مرحلة جديدة تقودها رؤية التحديث الاقتصادي 2033، التي تستهدف مضاعفة معدلات النمو الاقتصادي وتحفيز الاستثمار وخلق فرص عمل وتحويل الاقتصاد الأردني تدريجيا نحو اقتصاد أكثر إنتاجية وتنافسية.

الاقتصاد الكلي خلال العقد الأخير: ” الاستقرار أولاً ثم النمو”

   شهد الاقتصاد الأردني خلال السنوات الماضية تحسنا تدريجيا في حجم النشاط الاقتصادي رغم استمرار التحديات الهيكلية، وتشير تقديرات المؤسسات الدولية إلى ارتفاع الناتج المحلي الإجمالي الاسمي من أقل من 40 مليار دولار خلال منتصف العقد الماضي إلى ما يقارب 65 مليار دولار عام 2026، مع ارتفاع نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي إلى نحو 5600 دولار، كما ويتوقع أن يحقق الاقتصاد نموا حقيقيا يقارب 2.7% عام 2026 مع تحسن تدريجي خلال السنوات اللاحقة.

إلا أن تفسير تباطؤ معدلات النمو الاقتصادي الأردني خلال العقد الأخير لا يمكن عزله عن السياق الإقليمي والدولي الذي اتسم بسلسلة من الأزمات الكبرى والمتلاحقة، بدءا من تداعيات الاضطرابات الجيوسياسية في المنطقة و مرورا بأزمات اللجوء والاختلالات في سلاسل التوريد العالمية، وصولا إلى جائحة كورونا وما تبعها من موجات تضخم وتشديد نقدي عالمي، فضلا عن التطورات الجيوسياسية الأخيرة التي أثرت بصورة مباشرة وغير مباشرة على حركة التجارة والاستثمار والتدفقات المالية، فقد شكلت هذه التحديات بيئة اقتصادية ضاغطة كانت كفيلة بتقليص فرص التنمية الاقتصادية على مستوى المنطقة وعلى مستوى الاقتصاد العالمي ككل.

 أظهر الاقتصاد الأردني مستوى مرتفعا من المناعة والمرونة الاقتصادية، حيث نجح في الحفاظ على معدلات نمو إيجابية واستقرار نسبي في المؤشرات الاقتصادية الأساسية رغم أنها جاءت دون المستويات المستهدفة، إلا أن أهمية هذه النتائج لا تكمن في حجم النمو فقط إنما أيضا في دلالاته الاقتصادية، إذ تشير إلى أن الاقتصاد الأردني استطاع تطوير قدرة متزايدة على التكيف مع الصدمات واحتواء آثار الأزمات دون الدخول في اختلالات هيكلية حادة أو مسارات انكماشية طويلة الأمد، وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة إذا ما أخذ بعين الاعتبار أن عددا من الاقتصادات الأكبر حجما والأكثر موارد تعرضت خلال فترات الأزمات لاختبارات قاسية أظهرت هشاشة في بعض مكوناتها الاقتصادية، ويعود جانب مهم من هذه القدرة الأردنية على الصمود إلى وجود نهج اقتصادي قائم على التخطيط طويل الأمد، ورؤية واضحة للإصلاح والتحديث ساهمت في تعزيز قدرة الاقتصاد على إدارة الأزمات والمحافظة على استمرارية النشاط الاقتصادي في بيئات تتسم بدرجات عالية من عدم اليقين.

الاستقرار النقدي والسياسة النقدية: ركيزة الثقة الاقتصادية

   يعد الاستقرار النقدي أحد أبرز مرتكزات الأداء الاقتصادي الأردني خلال العقد الأخير، وربما يمثل الإنجاز الأكثر أهمية على مستوى إدارة الاقتصاد الكلي نظرا لدوره المحوري في الحفاظ على التوازنات الاقتصادية الكلية وتعزيز قدرة الاقتصاد على مواجهة الصدمات الداخلية والخارجية، ففي الوقت الذي واجهت فيه العديد من الاقتصادات ضغوطا نقدية ومالية حادة نتيجة اضطرابات الأسواق العالمية، استطاع الأردن الحفاظ على إطار نقدي مستقر أسهم في ترسيخ الثقة بالاقتصاد الوطني.

وقد نجح البنك المركزي الأردني في إدارة السياسة النقدية بكفاءة عالية من خلال المحافظة على استقرار سعر صرف الدينار المرتبط بالدولار الأمريكي، وهو ما وفر مرساة نقدية ذات مصداقية عالية ساعدت على تثبيت توقعات الأسواق والحد من انتقال التقلبات الخارجية إلى الاقتصاد المحلي، وتبرز أهمية ذلك بصورة خاصة في الاقتصادات الصغيرة والمفتوحة نسبيا، والتي تتأثر بشكل مباشر بالتغيرات في التدفقات الرأسمالية وأسعار السلع الأساسية والتطورات الاقتصادية العالمية.

وفي الوقت ذاته أظهرت السياسة النقدية الأردنية قدرة واضحة على احتواء الضغوط التضخمية العالمية التي أعقبت جائحة كورونا، والتي دفعت العديد من الاقتصادات المتقدمة والناشئة إلى تسجيل مستويات تضخم تاريخية غير مسبوقة، وقد ساعدت الإجراءات النقدية المتوازنة في الحفاظ على معدلات تضخم منخفضة نسبيا، الأمر الذي انعكس إيجابا على استقرار الأسعار والقدرة الشرائية للأسر والقطاع الخاص، وأسهم في الحد من الآثار السلبية للتضخم المستورد على النشاط الاقتصادي.

كما حافظ البنك المركزي على مستويات مرتفعة من الاحتياطيات الأجنبية تجاوزت 20 مليار دولار، إلا أن أهمية هذه الاحتياطيات تتجاوز قيمتها الاسمية بوصفها رصيدا ماليا، إذ تمثل أحد أهم مؤشرات متانة المركز الخارجي للاقتصاد وخط الدفاع الأول في مواجهة الصدمات الخارجية وتقلبات الأسواق المالية العالمية، كما توفر هذه الاحتياطيات قدرة أكبر على امتصاص الضغوط المحتملة على ميزان المدفوعات وتعزز الثقة بقدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها الخارجية والمحافظة على استقرار النظام النقدي.

ومن منظور اقتصادي أوسع لا يقتصر أثر استقرار سعر الصرف على تحقيق الاستقرار النقدي فحسب، فيتجاوز ذلك ليمتد لتأدية دورا أساسيا في تخفيض مستويات عدم اليقين الاقتصادي، وتقليص علاوات المخاطر المرتبطة بالاستثمار، وتعزيز القدرة على التخطيط طويل الأجل لدى المستثمرين والشركات، كما يسهم في حماية القوة الشرائية للأفراد والحد من تآكل الدخول الحقيقية، الأمر الذي ينعكس إيجابا على بيئة الأعمال والاستقرار الاقتصادي والاجتماعي بصورة عامة.

وتكشف التجربة الأردنية خلال السنوات الأخيرة أن السياسة النقدية لم تكن مجرد أداة لإدارة السيولة أو التحكم بمعدلات الفائدة، حيث كانت بشكل أساسي ركيزة استراتيجية للحفاظ على الاستقرار الاقتصادي وتعزيز مرونة الاقتصاد الوطني في مواجهة بيئة دولية تتسم بارتفاع مستويات المخاطر وعدم اليقين.

المالية العامة والدين العام: التحدي الهيكلي الأكثر تعقيداً

   على الرغم من التحسن الذي شهدته العديد من مؤشرات الاقتصاد الكلي خلال السنوات الأخيرة، إلا أن ملف المالية العامة لا يزال يمثل أحد أكثر الملفات تعقيدا وحساسية في الاقتصاد الأردني، ويأتي الدين العام في مقدمة هذه التحديات باعتباره قضية ذات أبعاد هيكلية طويلة الأجل تتجاوز كونها مجرد اختلال مالي مؤقت يعكس في جانب منه تراكمات تاريخية لظروف اقتصادية وجيوسياسية استثنائية فرضت ضغوطا متزايدة على الموازنة العامة وقدرة الاقتصاد على توليد موارد مالية كافية بوتيرة تتناسب مع احتياجات الإنفاق.

وخلال العقد الماضي واجه الأردن مجموعة من المتغيرات التي فرضت أعباء مالية إضافية تمثلت في تداعيات الأزمات الإقليمية، والضغوط المرتبطة بالنمو السكاني وارتفاع الطلب على الخدمات الأساسية، إضافة إلى تباطؤ النشاط الاقتصادي وما رافقه من محدودية في قدرة الإيرادات العامة على تحقيق معدلات نمو تتناسب مع الارتفاع في الالتزامات المالية، وقد أدت هذه العوامل مجتمعة إلى توسع الحاجة إلى التمويل العام وارتفاع مستويات المديونية الحكومية.

إلا أن التقييم الاقتصادي للدين العام لا ينبغي أن يختزل في قراءة حجمه المطلق أو نسبته إلى الناتج المحلي الإجمالي فقط، لأن مثل هذه القراءة قد تعطي مؤشرات جزئية لا تعكس الواقع المالي بصورة دقيقة، فالأهمية الحقيقية تكمن في تحليل هيكل الدين ومكوناته، وتوزيع آجاله الزمنية، وتكلفة خدمته، ومصادر تمويله، ومدى تعرضه لمخاطر أسعار الفائدة وتقلبات الأسواق، إضافة إلى قدرة الاقتصاد على توليد معدلات نمو كافية لاستيعاب هذا العبء المالي على المدى المتوسط والطويل.

وفي الأدبيات الاقتصادية الحديثة، لا تتحول المديونية العامة إلى مصدر خطر اقتصادي لمجرد ارتفاعها، وإنما تصبح مصدر قلق عندما يدخل الاقتصاد في ما يعرف بـ”ديناميكية الدين غير المستدامة”، وهي الحالة التي يتجاوز فيها معدل الفائدة الفعلي على الدين معدل النمو الاقتصادي لفترات ممتدة، الأمر الذي يؤدي إلى نمو التزامات خدمة الدين بوتيرة أسرع من نمو الناتج المحلي والدخل الوطني، وبالتالي زيادة العبء المالي بصورة تراكمية مع مرور الوقت. وفي مثل هذه الحالات، تصبح الموارد العامة موجهة بشكل متزايد نحو خدمة الدين بدلاً من توجيهها نحو الإنفاق الرأسمالي المنتج أو الإنفاق التنموي القادر على تحفيز النمو.

ومن هذا المنطلق فإن الرهان الاقتصادي الحقيقي في الحالة الأردنية لا يتمثل في خفض الدين بصورة مباشرة أو سريعة، وإنما في تغيير معادلة الاستدامة المالية عبر تسريع وتيرة النمو الاقتصادي ورفع إنتاجية الاقتصاد، فكلما نجح الاقتصاد في تحقيق معدلات نمو حقيقية تتجاوز متوسط تكلفة التمويل، بدأت نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي بالانخفاض تدريجيا حتى مع استمرار الاقتراض ضمن حدود مدروسة، وهي الآلية التي اعتمدتها العديد من الاقتصادات في معالجة تحديات المديونية العامة.

وفي هذا الإطار تكتسب رؤية التحديث الاقتصادي أهمية استثنائية بوصفها إطارا استراتيجيا لإعادة تشكيل بنية الاقتصاد الوطني، حيث إن نجاحها في توسيع القاعدة الإنتاجية ورفع معدلات الاستثمار وتحفيز الصادرات وتعزيز مشاركة القطاع الخاص يمكن أن يخلق تحولا جوهريا في مسار المالية العامة، كما أن استمرار العمل على رفع كفاءة الإنفاق العام، وتوسيع القاعدة الضريبية أفقيا بدلا من زيادة الأعباء الضريبية، وتحسين كفاءة التحصيل، وتوجيه الإنفاق نحو القطاعات ذات الأثر المضاعف المرتفع، يمثل عناصر أساسية لتعزيز الاستدامة المالية وتقليل المخاطر المرتبطة بالدين العام على المدى الطويل.

الصناعة: التحول من اقتصاد الموارد إلى اقتصاد القيمة المضافة

   شهد القطاع الصناعي الأردني خلال العقد الأخير تحولا نوعيا جعله يتجاوز دوره التقليدي كقطاع إنتاجي نحو كونه أحد المحركات الرئيسية للنمو الاقتصادي والصادرات وتوليد القيمة المضافة، وتنبع أهمية هذا التحول من أن الصناعة لم تعد تعتمد فقط على استغلال الموارد الأولية، حيث أصبحت ترتكز بصورة متزايدة على المعرفة والتكنولوجيا وتعقيد سلاسل الإنتاج ورفع المحتوى المحلي في العملية الإنتاجية.

ويعكس الأداء الصناعي الأردني مؤشرات هيكلية لافتة، إذ احتل الأردن المرتبة الأولى عربيا والمرتبة السابعة والعشرين عالميا من حيث مساهمة القطاع الصناعي في الناتج المحلي الإجمالي بنسبة تجاوزت 24% وفق تصنيف منظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية (اليونيدو)، وهو ما يعبر بصورة أعمق عن نضج القاعدة الإنتاجية الوطنية واتساع الروابط الأمامية والخلفية بين الصناعة وبقية القطاعات الاقتصادية.

كما تمثل قطاعات الصناعات الدوائية والكيماوية والتعدينية والغذائية نماذج واضحة على انتقال الاقتصاد الأردني تدريجيا نحو صناعات ذات قيمة مضافة أعلى وقدرة أكبر على النفاذ للأسواق الخارجية، ويبرز قطاع الصناعات الدوائية بصورة خاصة باعتباره نموذجا اقتصاديا متقدما يعكس قدرة الاقتصاد الأردني على بناء ميزات تنافسية لا تستند إلى وفرة الموارد الطبيعية، وإنما إلى رأس المال البشري والمعرفة والقدرة التكنولوجية.

وفي هذا الإطار لا تقتصر أهمية القطاع الصناعي على مساهمته المباشرة في الناتج المحلي الإجمالي، بل تمتد إلى دوره في رفع الإنتاجية الكلية لعوامل الإنتاج، وتحسين هيكل الصادرات، وتقليل حساسية الاقتصاد للصدمات الخارجية، بما يجعله أحد الركائز الأساسية للتحول نحو اقتصاد أكثر استدامة وقابلية للنمو طويل الأجل.

قطاع الطاقة: تحول هيكلي في أمن الطاقة وإعادة تشكيل معادلة الاعتماد الخارجي

   يمثل قطاع الطاقة أحد أكثر القطاعات التي شهدت تحولات هيكلية عميقة في الاقتصاد الأردني خلال العقد الأخير، حيث انتقل تدريجيا من نموذج يعتمد بصورة شبه كلية على استيراد الطاقة من الخارج إلى نموذج أكثر توازنا يقوم على تنويع المصادر وتعزيز الاعتماد على الطاقة المحلية ولا سيما المتجددة منها.

تاريخيا كان الأردن من أكثر الاقتصادات عرضة لتقلبات أسعار الطاقة العالمية، إذ تجاوزت فاتورة الطاقة في بعض السنوات ما نسبته 20% من الناتج المحلي الإجمالي، مع اعتماد مرتفع على استيراد النفط والغاز لتغطية احتياجات توليد الكهرباء والاستهلاك الصناعي والنقل. هذا النمط كان يخلق حساسية مرتفعة في ميزان المدفوعات ويزيد من قابلية الاقتصاد للتأثر بالصدمات الخارجية.

غير أن العقد الأخير شهد تحولا بنيويا في معادلة أمن الطاقة، تمثل في توسع كبير في مشاريع الطاقة المتجددة، خصوصاً الطاقة الشمسية وطاقة الرياح. ووفق البيانات الرسمية، ارتفعت مساهمة الطاقة المتجددة إلى ما يقارب 27% من إجمالي توليد الكهرباء في الأردن، وهو ما يضع المملكة ضمن أبرز الدول في المنطقة من حيث دمج مصادر الطاقة النظيفة في مزيج الكهرباء الوطني، مع قدرة مركبة تتجاوز 2.6 جيغاواط من مشاريع الطاقة الشمسية والرياح مجتمعة.

وقد انعكس هذا التحول بشكل مباشر على الاقتصاد الكلي، من خلال خفض فاتورة استيراد الطاقة بمليارات الدولارات التراكمية خلال السنوات الأخيرة، وتقليل عجز الحساب الجاري، وتحسين استقرار تكاليف الإنتاج في القطاعات الصناعية والخدمية، كما أسهم في تقليل درجة التعرض للصدمات المرتبطة بتقلبات أسعار النفط والغاز عالميا، وبالتالي تعزيز مرونة الاقتصاد الكلي في مواجهة الأزمات الخارجية.

ومن منظور هيكلي أعمق لا يقتصر أثر التحول نحو الطاقة المتجددة على البعد المالي و لكنه يمتد ليشمل إعادة تشكيل نموذج النمو نفسه، من خلال إدخال عناصر جديدة مرتبطة بالاقتصاد الأخضر، وكفاءة الطاقة، والاستثمار في البنية التحتية المستدامة، حيث ينسجم هذا التحول مع التوجهات العالمية نحو خفض الانبعاثات الكربونية والانتقال إلى اقتصاد منخفض الكربون، وهو ما يفتح أمام الأردن فرصا استراتيجية في مجالات ناشئة مثل الهيدروجين الأخضر، مستفيدا من موقعه الجغرافي، ومستويات الإشعاع الشمسي المرتفعة، وسرعات الرياح في مناطق محددة من المملكة، بما يعزز إمكانية تحويل قطاع الطاقة إلى رافعة للنمو وليس مجرد عنصر كلفة في الاقتصاد الوطني.

آفاق الاقتصاد الأردني في ظل رؤية التحديث الاقتصادي 2033

   تمثل رؤية التحديث الاقتصادي 2033 انتقالا في فلسفة إدارة النمو، من نموذج تقليدي اعتمد تاريخيا على الإنفاق والاستهلاك والتحويلات والمساعدات، إلى نموذج أكثر تركيبا يقوده الاستثمار والإنتاجية والصادرات، ورغم أن النموذج السابق أسهم في الحفاظ على قدر من الاستقرار، إلا أنه ظل محدود القدرة على توليد نمو مرتفع ومستدام في ظل قيود الموارد والديموغرافيا وضغوط المالية العامة.

وترتكز الرؤية على إعادة تشكيل بنية الاقتصاد تدريجيا نحو اقتصاد إنتاجي قائم على رفع الإنتاجية الكلية لعوامل الإنتاج، وتحسين كفاءة توظيف رأس المال والعمل والتكنولوجيا. وبذلك ينتقل مركز الثقل من “النمو الكمي” المدفوع بالطلب، إلى “النمو النوعي” القائم على القيمة المضافة وخلق قطاعات أكثر تعقيداً وتنافسية.

وتستهدف الرؤية رفع معدلات النمو وتوسيع الاستثمار وتعزيز بيئة الأعمال وخلق فرص عمل واسعة، إلا أن أثرها الحقيقي يُقاس بقدرتها على تغيير هيكل الاقتصاد لصالح القطاعات القابلة للتصدير وذات المحتوى الإنتاجي المرتفع. وفي هذا الإطار، يبرز القطاع الصناعي، خصوصاً الصناعات الدوائية والغذائية والتعدينية والتكنولوجية، كأحد أهم محركات المرحلة المقبلة، لما يتمتع به من قدرة على تعميق الروابط الإنتاجية الداخلية وتحسين الميزان الخارجي.

كما يمثل الاقتصاد الرقمي رافعة استراتيجية للنمو المستقبلي، في ظل التحولات العالمية المتسارعة في الذكاء الاصطناعي والخدمات الرقمية، ما يتيح للأردن فرصة لتعظيم الاستفادة من رأس المال البشري وبناء موقع إقليمي في مجالات البرمجيات والخدمات التكنولوجية وريادة الأعمال، بما يرفع إنتاجية سوق العمل ويخلق وظائف عالية القيمة.

وفي قطاع الطاقة يتوقع أن تتعمق التحولات الهيكلية باتجاه الاقتصاد الأخضر، مع توسع فرص الطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر وتقنيات التخزين، بما قد يحول الطاقة من عنصر كلفة هيكلي إلى رافعة استثمارية ونمو مستقبلي، وبالمثل يتجه قطاع السياحة نحو تعظيم القيمة الاقتصادية بدلا من الحجم الكمي، عبر تطوير السياحة العلاجية والثقافية والدينية والمؤتمرات، بما يعزز مساهمته في الناتج والتشغيل.

غير أن نجاح هذا التحول يرتبط جوهريا بقدرة الدولة على تسريع الإصلاحات الهيكلية، إذ تشير التجارب المقارنة إلى أن فجوة التنفيذ غالبا ما تحدد الفارق بين الرؤى الطموحة والنتائج الفعلية، وعليه فإن كفاءة الإطار المؤسسي، واستقرار التشريعات، وتبسيط الإجراءات، وتحسين بيئة الأعمال تمثل محددات حاسمة لمسار التنفيذ.

كما يبقى سوق العمل محوراً مركزيا في معادلة النجاح، في ظل استمرار فجوة المهارات بين مخرجات التعليم واحتياجات الاقتصاد، ما يجعل تطوير التعليم التقني والمهني والمهارات الرقمية شرطاً أساسياً لرفع الإنتاجية وتعزيز القدرة التنافسية.

ورغم استمرار مخاطر البيئة الخارجية المرتبطة بالتوترات الجيوسياسية، وتقلبات أسعار الطاقة والغذاء، وتباطؤ الاقتصاد العالمي، وارتفاع كلفة التمويل، فإن الاقتصاد الأردني يدخل هذه المرحلة من موقع أكثر تماسكا نسبيا، مدعوماً باستقرار نقدي، واحتياطيات أجنبية قوية، ونظام مصرفي مستقر، وبنية تحتية أكثر تطوراً.

عطفا على ما سبق فإن العقد القادم يمثل فرصة لإعادة تموضع الاقتصاد الأردني من اقتصاد إدارة استقرار إلى اقتصاد خلق نمو، حيث يصبح معيار النجاح الحقيقي ليس فقط في حجم الاستثمارات، بل في قدرتها على تحويل الهيكل الإنتاجي نحو إنتاجية أعلى، وصادرات أوسع، وفرص عمل أكثر استدامة، وتحسن ملموس في مستويات المعيشة.

مركز Eprcen

مركز Eprcen

مؤسسة بحثية مستقلة تُعنى بإعداد دراسات استراتيجية وتحليلات معمقة في مجالي الاقتصاد والسياسة، اعتمادًا على منهجية علمية دقيقة تستهدف فهم التحولات المؤثرة في مسارات التنمية والاستقرار وصنع القرار.

رؤية استراتيجية تصل بريدك

اشترك في نشرتنا للحصول على أحدث التحليلات والتقارير.

مركز البحوث الاقتصادية والسياسية هو مركز بحثي مستقل يُعنى بإنتاج دراسات استراتيجية وتحليلات معمقة في مجالي الاقتصاد والسياسة، مع التركيز على القضايا الوطنية والإقليمية والدولية المؤثرة في مسارات التنمية والاستقرار وصنع القرار. يضم المركز نخبة من الباحثين والخبراء المتخصصين، ويعمل وفق منهجيات علمية رصينة وأدوات تحليل متقدمة لضمان تقديم رؤى استشرافية وتوصيات عملية قابلة للتطبيق، بما يسهم في دعم متخذ القرار وتعزيز كفاءة السياسات العامة في ظل بيئة تتسم بتعقيد وتشابك وتسارع التحولات.

استطلاع الرأي

Newsletter

Now Available in English

Subscribe and choose "English language" which contains the selection of local and international news, polls, articles, and analyzes in various fields.

سجّل مجاناً في النشرة البريدية

اضغط هنا وسجّل بريدك الإلكتروني.. لتصلك (مجاناً) صباح كل يوم النشرة البريدية الإلكترونية لمركز المعلومات وبداخلها أحدث إصدارات المركز ونخبة من الأخبار المحلية والعالمية والاستطلاعات والمقالات والتحليلات.