لأكثر من قرن ظل التوظيف أحد أكثر المؤشرات حساسية لقياس صحة الاقتصاد، فالناتج المحلي قد يرتفع والاستثمار قد يتوسع، والإنتاجية قد تتحسن لكن قدرة الاقتصاد على خلق فرص عمل ظلت المقياس الأكثر اتصالا بالحياة اليومية للأسر وبالاستقرار الاجتماعي والسياسي، ومع صعود الذكاء الاصطناعي تظهر للمرة الأولى إمكانية أن يتحقق جزء من النمو الاقتصادي من خلال إنتاج أكبر بعدد أقل من العاملين، وهنا تبدأ واحدة من أعقد المسائل الاقتصادية في القرن الحالي، ماذا يحدث عندما ترتفع قدرة الاقتصاد على إنتاج السلع والخدمات بينما تتراجع حاجته إلى العمل البشري في عدد متزايد من المهام والوظائف.
المعادلة القديمة
النمو الاقتصادي التقليدي قام على علاقة واضحة نسبيا بين رأس المال والعمل والإنتاج، فزيادة الاستثمار في المصانع والتكنولوجيا كانت ترفع إنتاجية العامل، ثم يؤدي انخفاض تكلفة الإنتاج إلى توسع الطلب، ومع توسع الطلب تظهر وظائف جديدة تعوض جزءا من الوظائف التي ألغتها التكنولوجيا، وقد تكرر هذا النمط خلال الثورة الصناعية والتحول إلى الكهرباء والميكنة والحوسبة.
الذكاء الاصطناعي يدخل هذه المعادلة من نقطة مختلفة، لأنه لا يقتصر على استبدال العمل اليدوي أو العمليات المتكررة، وإنما يدخل إلى مجالات تعتمد على المعرفة والتحليل والكتابة والبرمجة والمحاسبة والتصميم والبحث وخدمة العملاء، وهي مجالات كان الإنسان يحتفظ فيها بميزة واضحة أمام الآلة، وصندوق النقد الدولي يقدر أن نحو 40% من الوظائف عالميا معرضة لتأثير الذكاء الاصطناعي، وترتفع النسبة إلى نحو 60% في الاقتصادات المتقدمة، مع تعرض نحو نصف الوظائف المتأثرة في الاقتصادات المتقدمة لاحتمال تحقيق مكاسب إنتاجية من استخدام الذكاء الاصطناعي، بينما يواجه النصف الآخر احتمالات انخفاض الطلب على العمل أو الأجور أو حتى اختفاء بعض المهام والوظائف.
مرمى الخطر
منظمة العمل الدولية تقدم صورة أكثر دقة من الخطاب الشائع حول اختفاء الوظائف، فتقديراتها المحدثة لعام 2025 تشير إلى أن واحدة من كل أربع وظائف عالميا تقع في مهنة لديها درجة من التعرض للذكاء الاصطناعي التوليدي، وترتفع النسبة إلى 34% في الاقتصادات مرتفعة الدخل، فيما تقع 3.3% من العمالة العالمية في الفئة الأعلى تعرضا للأتمتة، وتؤكد المنظمة أن النتيجة الأكثر احتمالا في معظم الحالات هي تحول الوظائف وتغير محتواها، وليس إلغاء الوظيفة بالكامل.
وهنا تظهر نقطة اقتصادية شديدة الأهمية فالذكاء الاصطناعي لا يحتاج إلى إلغاء وظيفة كاملة حتى يؤثر في سوق العمل، فإذا كان المحاسب يستطيع إنجاز عمل يحتاج سابقا إلى ثماني ساعات خلال ثلاث ساعات، فإن الشركة قد تستخدم الساعات الخمس المتبقية لزيادة الإنتاج، أو تقليل التوظيف الجديد، أو إعادة توزيع العامل على مهام أكثر قيمة، وفي الحالات الثلاث يتغير الطلب على العمل حتى لو بقي اسم الوظيفة نفسه.
الإنتاجية ترتفع
هذه النقطة تجعل العلاقة بين الإنتاجية والتوظيف أكثر تعقيدا، فتقديرات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية تشير إلى أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يضيف إلى نمو إنتاجية العمل في الاقتصادات ذات التعرض المرتفع للذكاء الاصطناعي ما بين 0.4 و1.3 نقطة مئوية سنويا على مدى عشر سنوات، وفقا لسيناريوهات مختلفة تتعلق بسرعة التبني وهيكل الاقتصاد .
إذا تحققت هذه المكاسب فإن الاقتصاد يستطيع إنتاج كمية أكبر من السلع والخدمات بالموارد نفسها، وهذا يمثل مكسبا اقتصاديا حقيقيا، لكن توزيع هذا المكسب هو القضية الأصعب، فإذا ذهبت معظم الزيادة إلى أرباح الشركات ورأس المال، بينما تباطأ نمو الأجور أو تراجعت فرص الدخول الجديدة إلى سوق العمل، فإن ارتفاع الإنتاجية قد يتزامن مع ضعف القدرة الشرائية لجزء من السكان، وعندها تظهر فجوة بين نجاح الاقتصاد في إنتاج الثروة ونجاحه في توزيع فرص الحصول عليها.
مؤشر التوظيف
لهذا السبب من الصعب تصور اختفاء مؤشر التوظيف من لوحة المؤشرات الاقتصادية، لكنه قد يفقد جزءا من قدرته على تفسير جودة النمو وحده، فاقتصاد يمكنه رفع الناتج بنسبة 4% مع زيادة العمالة بنسبة 2% يختلف عن اقتصاد يرفع الناتج بنسبة 4% مع انخفاض العمالة بنسبة 1%، حتى لو كانت النتيجة الحسابية للناتج واحدة.
في الاقتصاد المدفوع بالذكاء الاصطناعي ستصبح مجموعة مؤشرات أكثر أهمية، منها إنتاجية العامل، ونمو الأجور الحقيقية، ومعدل المشاركة في قوة العمل، وساعات العمل، ونسبة الوظائف التي تتطلب مهارات جديدة، وحصة الدخل المتجهة إلى العمل مقارنة برأس المال، وجودة الوظائف الجديدة، وقدرة الاقتصاد على إعادة توزيع العمال من القطاعات المتراجعة إلى القطاعات الصاعدة.
وهذا لا يعني أن البطالة ستصبح مؤشرا ثانويا، فالدخل الأسري والإنفاق الاستهلاكي والضرائب والضمان الاجتماعي والاستقرار المالي ترتبط جميعها بسوق العمل، وقد يصبح معدل التوظيف أكثر أهمية من السابق في تقييم توزيع مكاسب الذكاء الاصطناعي، بينما تصبح الإنتاجية أكثر أهمية في تقييم قدرة الاقتصاد على توليد الثروة.
تجربة أميركا
البيانات الأميركية الحالية تقدم صورة مختلفة عن سيناريو الانهيار السريع في العمالة، فقد وجد مكتب الإحصاء الأميركي في دراسة مبنية على بيانات 2022 أن الشركات التي تبنت تقنيات مثل الذكاء الاصطناعي والروبوتات والبرمجيات المتخصصة أفادت في الغالب بأن العدد الإجمالي للعاملين لديها لم يتغير بعد تبني التكنولوجيا، كما أظهرت بيانات أحدث من مسح Business Trends and Outlook Survey أن استخدام الذكاء الاصطناعي بين الشركات الأميركية تراوح بين 17% و20% خلال الفترة من ديسمبر 2025 إلى مايو 2026، مع توقعات بارتفاع الاستخدام خلال الأشهر التالية .
وفي دراسة أخرى لمكتب الإحصاء الأميركي عن الفترة من نوفمبر 2025 إلى يناير 2026، استخدمت 18% من الشركات الذكاء الاصطناعي في وظيفة أعمال واحدة على الأقل، وترتفع النسبة إلى 32% عند وزنها بعدد العاملين، فيما قالت 66% من الشركات المستخدمة للذكاء الاصطناعي إنها تستخدمه أساسا لتعزيز المهام وليس لاستبدال العاملين، ولم تسجل انخفاضات مرتبطة بالذكاء الاصطناعي في العمالة إلا لدى 2% من الشركات في العينة، وهي بيانات لا تثبت غياب الاستبدال مستقبلا لكنها تظهر أن الانتقال حتى الآن يحدث بصورة تدريجية وغير متجانسة .
وظائف جديدة
التاريخ الاقتصادي لا يدعم افتراض أن كل وظيفة تلغيها التكنولوجيا ستعود في صورة وظيفة مماثلة، لكنه يقدم أدلة قوية على أن التكنولوجيا تخلق أعمالا جديدة أيضا، والتحدي هو الزمن والفجوة المهارية بين الوظيفة التي تختفي والوظيفة التي تظهر.
توقعات المنتدى الاقتصادي العالمي لعام 2025 تشير إلى أن التحولات التكنولوجية والاقتصادية والديموغرافية قد تؤدي بحلول 2030 إلى إنشاء 170 مليون وظيفة وإزاحة 92 مليون وظيفة، أي صافي زيادة قدره 78 مليون وظيفة، مع تعرض 22% من الوظائف الحالية لتغير هيكلي خلال الفترة، وهذه التقديرات لا تمثل تنبؤا حتميا بنتيجة سوق العمل، وإنما تعكس توقعات أصحاب الأعمال التي جمعها التقرير وربطها ببيانات منظمة العمل الدولية .
المشكلة تظهر عندما تكون سرعة اختفاء المهارات أكبر من سرعة اكتساب المهارات الجديدة، وهنا يتحول سوق العمل من مشكلة بطالة تقليدية إلى مشكلة انتقال اقتصادي، فقد يجد العامل نفسه خارج المهنة التي أتقنها طوال سنوات، بينما توجد وظائف جديدة في الاقتصاد تحتاج إلى مهارات مختلفة تماما.
الذكاء الاصطناعي
بدأت الحكومات بالفعل في بناء أطر قانونية لا تستهدف إيقاف الذكاء الاصطناعي، وإنما تنظيم استخداماته ومخاطره، والاتحاد الأوروبي يمثل المثال الأكثر وضوحا، إذ دخل قانون الذكاء الاصطناعي الأوروبي حيز التنفيذ في أغسطس 2024، ويصنف أنظمة الذكاء الاصطناعي المستخدمة في التوظيف ضمن التطبيقات عالية المخاطر، ويضع عليها متطلبات تتعلق بإدارة المخاطر وجودة البيانات والشفافية والإشراف البشري .
وفي ديسمبر 2025 أعلنت المفوضية الأوروبية توجهها إلى تطوير إطار جديد لجودة الوظائف يتضمن التعامل مع إدارة الخوارزميات والذكاء الاصطناعي في مكان العمل وتحديث قواعد حماية العمال، وهو اتجاه يكشف طبيعة السياسة التي تتشكل حاليا، تنظيم طريقة استخدام التكنولوجيا داخل سوق العمل بدلا من منع التكنولوجيا نفسها.
منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية تتجه في الاتجاه ذاته، إذ ترى أن الحكومات تحتاج إلى إدارة انتقال العمال إلى المهارات الجديدة، مع وجود فجوات تنظيمية تتعلق باستخدام الذكاء الاصطناعي في أماكن العمل، بينما تشير نتائج مسوحها إلى أن أربعة من كل خمسة عمال يستخدمون الذكاء الاصطناعي أفادوا بتحسن أدائهم في العمل، وأن ثلاثة من كل خمسة قالوا إنه زاد من متعة العمل، في مقابل تقديرها أن المهن ذات أعلى مخاطر الأتمتة تمثل نحو 27% من العمالة في دول المنظمة .
رأس المال
هناك عامل يجعل إيقاف تمدد الذكاء الاصطناعي أكثر صعوبة، وهو حجم رأس المال الذي دخل هذه الصناعة، فقد بلغ الاستثمار الخاص العالمي في الذكاء الاصطناعي 252.3 مليار دولار في 2024، بزيادة 26%، وبلغ الاستثمار الخاص في الذكاء الاصطناعي التوليدي 33.9 مليار دولار، وفقا لمؤشر الذكاء الاصطناعي الصادر عن Stanford HAI، ثم ارتفع الاستثمار الخاص في الذكاء الاصطناعي بصورة أكبر في 2025، مع نمو الاستثمار الخاص بنسبة 127.5% وفقا لتقرير 2026 .
والأرقام تصبح أكثر ضخامة عندما ننتقل من شركات الذكاء الاصطناعي إلى البنية التحتية التي تحتاج إليها الصناعة، فالوكالة الدولية للطاقة تشير إلى أن الإنفاق الرأسمالي لخمس شركات تقنية كبرى تجاوز 400 مليار دولار في 2025، مع توقع ارتفاعه بنسبة 75% في 2026، بينما تتوقع أن يرتفع استهلاك مراكز البيانات للكهرباء من 485 تيراواط ساعة في 2025 إلى نحو 950 تيراواط ساعة في 2030، أي ما يقارب 3% من استهلاك الكهرباء العالمي آنذاك.
وتقدر McKinsey أن احتياجات مراكز البيانات العالمية قد تتطلب نحو 6.7 تريليون دولار من الاستثمارات التراكمية حتى 2030، منها نحو 5.2 تريليون دولار مرتبطة بالطلب على البنية التحتية الحاسوبية اللازمة للذكاء الاصطناعي وحده، وهذه الأرقام لا تعني أن 6.7 تريليون دولار قد ضخت فعليا حتى الآن، وإنما تعكس حجم الاستثمار المطلوب وفقا لتقديرات الطلب المستقبلية.
معركة الوظيفة
لهذا السبب تبدو محاولة الدول فرض تباطؤ شامل على الذكاء الاصطناعي صعبة اقتصاديا، فالتكنولوجيا أصبحت مرتبطة برأس المال والطاقة وأشباه الموصلات والحوسبة السحابية والأمن والدفاع والقطاع المالي والإنتاج الصناعي، كما تحولت إلى عنصر في المنافسة بين الدول على الإنتاجية والنمو والقدرة التكنولوجية
المسار الأكثر واقعية يبدو مختلفا، حيث تسمح الحكومات بالتوسع في الذكاء الاصطناعي مع فرض قيود على بعض الاستخدامات، ووضع قواعد للشفافية والإشراف البشري وحماية البيانات والتوظيف، وتوسيع برامج إعادة التدريب، وربط جزء من السياسة الاقتصادية بمساعدة العمال على الانتقال بين الوظائف، وهذا الاتجاه يتفق مع توصيات منظمة العمل الدولية التي تدعو إلى إدارة التحول من خلال الحوار الاجتماعي وتحسين ظروف العمل والإنتاجية .
اقتصاد جديد
السؤال الأعمق خلال العقد المقبل لن يكون كم وظيفة يستطيع الاقتصاد أن يخلق، وإنما كم إنسانا يستطيع الاقتصاد أن يمنحه دخلا منتجا ومستقرا في ظل تراجع الحاجة إلى بعض أنواع العمل، فالإنتاجية المرتفعة تستطيع زيادة الناتج والدخل القومي، لكنها لا تضمن وحدها توزيعا متوازنا لمكاسب النمو.
وهنا قد تتغير وظيفة الدولة الاقتصادية، من دولة تركز بصورة رئيسية على خلق الوظائف إلى دولة تهتم بخلق فرص الدخل والمهارات والانتقال المهني وحماية القوة الشرائية، مع المحافظة على حوافز الاستثمار والابتكار، وقد يصبح معدل التوظيف مؤشرا مركزيا لسلامة المجتمع الاقتصادي، بينما تصبح إنتاجية العامل مؤشرا مركزيا لقدرة الاقتصاد على المنافسة.
الذكاء الاصطناعي لا يضع الاقتصاد أمام خيار بسيط بين التكنولوجيا والوظائف، وإنما يضعه أمام سؤال توزيع مكاسب الإنتاجية، وإذا تمكنت الاقتصادات من تحويل الزيادة الهائلة في الإنتاجية إلى أجور أعلى واستثمارات جديدة ووظائف جديدة وخدمات أرخص ودخول أوسع، فقد يصبح انخفاض عدد ساعات العمل البشرية نتيجة لارتفاع مستوى الرفاه، أما إذا ارتفعت الإنتاجية وتراكمت الأرباح في جانب واحد وتراجعت فرص العمل والدخول في الجانب الآخر، فقد تظهر فجوة جديدة بين اقتصاد شديد الكفاءة واقتصاد أقل قدرة على توزيع ثمرة هذه الكفاءة.
وهنا تحديدا سيبقى التوظيف مؤشرا اقتصاديا بالغ الأهمية، مع تغير السؤال الذي يطرحه، فلم يعد كافيا أن نعرف كم شخصا يعمل، بل سنحتاج إلى معرفة ماذا ينتج، وكم يكسب، وما المهارات التي يمتلكها، وكم ساعة يعمل، وما مقدار الإنتاج الذي يحققه، وكيف تتوزع مكاسب التكنولوجيا بين العمل ورأس المال، لأن اقتصاد المستقبل قد لا يعاني من نقص في القدرة على الإنتاج، وإنما من كيفية توزيع القدرة الجديدة على الإنتاج داخل المجتمع.