في لحظة تعيد فيها الدولة المصرية ترتيب أولوياتها التنموية، يطل كتاب «الجامعة والتنمية في مصر.. مكان داخل نادي المائة» للدكتور محمود السعيد، نائب رئيس جامعة القاهرة للدراسات العليا والبحوث، بوصفه طرحاً فكرياً مهماً يعيد الاعتبار إلى الجامعة باعتبارها أحد أعمدة بناء الدولة الحديثة، لا مجرد مؤسسة تعليمية تمنح الشهادات، فالكتاب ينطلق من إيمان واضح بأن البحث العلمي والتعليم العالي لم يعودا ترفاً معرفياً، بل أصبحا شرطاً أساسياً للنهضة، وأداة من أدوات القوة الشاملة، ومدخلاً رئيسياً لتحقيق التنمية المستدامة ورؤية مصر 2030.
ويحمل عنوان الكتاب دلالة طموحة؛ فـ«نادي المائة» يشير إلى الحلم المشروع بدخول الجامعات المصرية ضمن أفضل مائة جامعة في التصنيفات الدولية، وهي مكانة يرى المؤلف أن مصر تستحقها بحكم تاريخها العلمي وريادتها التعليمية في محيطها العربي والإفريقي والشرق أوسطي، ومن هنا لا يتعامل الكتاب مع التصنيف الجامعي باعتباره رقماً شكلياً أو وجاهة مؤسسية، بل باعتباره انعكاساً لقدرة الدولة على إنتاج المعرفة، وتطوير البحث العلمي، وربط الجامعة بسوق العمل، وبناء أجيال قادرة على المنافسة محلياً وإقليمياً ودولياً.
يتكون الكتاب من سبعة وعشرين مقالاً موزعة على فصلين رئيسيين؛ يتناول الفصل الأول قضايا التعليم والبحث العلمي في مصر، بينما يتجه الفصل الثاني إلى مناقشة عدد من قضايا التنمية المستدامة والوطن والمواطن، وفي الفصل الأول، يطرح المؤلف رؤية واسعة لوضع التعليم المصري مقارنة بالأنظمة التعليمية في العالم، ويناقش المؤشرات الدولية التي تقيس جودة التعليم، كما يتوقف أمام موقع المجلات العلمية المصرية في قواعد البيانات العالمية مثل Scopus وClarivate، مؤكداً أن تطوير المجلات المحلية ورفع قدرتها التنافسية في نشر الأبحاث الدولية يمثلان خطوة مهمة لتحسين صورة البحث العلمي المصري عالمياً.
ولا يكتفي الكتاب بعرض التحديات، بل يتصدى أيضاً لبعض الشائعات التي صاحبت الحديث عن التعليم في مصر خلال السنوات الأخيرة، وعلى رأسها الادعاء بخروج مصر من التصنيفات الدولية للتعليم، ويكشف المؤلف كيف يمكن توظيف المعلومات المغلوطة أو المجتزأة للإضرار بصورة الدولة ومؤسساتها، داعياً إلى قراءة المؤشرات الدولية قراءة علمية دقيقة، بعيداً عن التهويل أو التهوين. كما يفتح الباب أمام فكرة الاستعانة بالخبراء والأساتذة الدوليين في الجامعات المصرية، سواء في التدريس أو التدريب أو الإشراف العلمي، مستفيداً من أدوات التواصل الإلكتروني التي جعلت التعاون الأكاديمي الدولي أكثر سهولة وأقل تكلفة.
ومن القضايا اللافتة التي يناقشها الكتاب ملف ابتعاث طلاب الماجستير والدكتوراه إلى الخارج، فالمؤلف لا يرفض الابتعاث من حيث المبدأ، بل يؤكد أهميته في نقل الخبرات والمعرفة من الجامعات العالمية المرموقة، لكنه يطرح تساؤلاً جوهرياً حول جدوى الإنفاق العام على مبتعثين لا يعودون لخدمة الوطن بعد انتهاء دراستهم، ومن هنا يدعو إلى وضع ضوابط أكثر صرامة تضمن استفادة الدولة والمجتمع من هذا الاستثمار، أو تشجيع الباحثين على الحصول على تمويل خارجي من الجامعات الأجنبية، بما يخفف العبء عن موارد الدولة ويحقق التوازن بين حرية الباحث ومصلحة الوطن.
كما يربط الكتاب بين التعليم والحوار الوطني، معتبراً أن دعوة الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى الحوار الوطني تمثل نقلة مهمة في الحياة السياسية المصرية، يمكن أن تنعكس إيجابياً على ملفات التعليم والبحث العلمي، فإصلاح التعليم، في رؤية المؤلف، لا ينفصل عن بناء اقتصاد قوي وحديث، قادر على توطين الصناعة وتعزيز الإنتاج وخلق قطاعات تنافسية. وفي السياق نفسه، يناقش الكتاب العلاقة بين التخصص الدراسي وسوق العمل، مشيراً إلى أن العالم لم يعد يمنح الأولوية للتخصص وحده، بل للكفاءة والمهارة والتدريب والقدرة على التطور المستمر.
وينتقد المؤلف بوضوح ظاهرة الاعتماد المفرط على المذكرات والملخصات الجامعية، معتبراً أنها لا تضر بجودة التعليم فقط، بل تخلق سوقاً غير رسمية تستنزف الأسر وتضعف قيمة المعرفة الحقيقية، ومن خلال هذه القضية، يوسع الكتاب نظرته إلى التعليم باعتباره «قضية القضايا»، لأن ضعف التعليم ينعكس على أغلب مشكلات المجتمع، من الفقر والمرض إلى التطرف والفساد، فالمطلوب ليس فقط زيادة أعداد الحاصلين على الشهادات، وإنما بناء سياق اجتماعي يقدّر العلم والبحث، ويرى فيهما طريقاً لحل مشكلات المجتمع وصناعة المستقبل.
وفي الفصل الثاني، ينتقل الكتاب إلى قضايا التنمية في مصر، متناولاً ملفات شديدة الأهمية مثل النمو السكاني، والموارد المائية المحدودة، والتكلفة الاقتصادية للعنف ضد المرأة، وجودة البيانات الإحصائية، واستخدام الأرقام في الحروب النفسية ضد الدول، ويبرز هنا وعي المؤلف بأن التنمية ليست مجرد مشروعات اقتصادية، بل منظومة متكاملة تحتاج إلى بيانات دقيقة، ومؤسسات قوية، ومجتمع واعٍ، وقدرة على مواجهة حملات التشويه التي تستخدم الإحصاءات المفبركة أو المضللة لإثارة القلق وزعزعة الثقة العامة.
ويخلص الكتاب في مجمله إلى أن مصر، رغم ما واجهته من تحديات داخلية وخارجية، استطاعت أن تواصل طريقها نحو التنمية بأقل الخسائر الممكنة، وأن تحقق تقدماً في ملفات الأمن والاستقرار والبناء العمراني وتهيئة مناخ الاستثمار، ومن ثم، فإن كتاب «الجامعة والتنمية في مصر.. مكان داخل نادي المائة» لا يقدم قراءة أكاديمية في التعليم فحسب، بل يقدم دفاعاً واعياً عن فكرة الدولة التي تراهن على الإنسان والمعرفة والبحث العلمي، وتدرك أن الدخول إلى المستقبل يبدأ من الجامعة، وأن مكان مصر الطبيعي بين الأمم لا يصنعه التاريخ وحده، بل تصنعه القدرة المستمرة على التعلم والإبداع والمنافسة.